بطل المعارك الآمنة.. ركوب الموجة والتطفل على إنجازات الآخرين

بقلم – مدحت مرسي
وقفت ذبابة على قرن ثور يحرث الأرض، بينما كان الثور يجتهد ويشق التربة بقوة ومثابرة. ومع حلول الليل، عادت الذبابة إلى صاحبتها، وعندما سُئلت: “أين كنتِ؟”، أجابت بكل ثقة: “كنتُ أحرث الأرض، وعانيت كثيراً من غبارها وحر شمسها!”.
هذه الحكاية رمزية تختصر واقع الكثيرين ممن يكتفون بالجلوس في الظل، حتى إذا انتهت المهمة وحُسم النصر، خرجوا ليتصدروا المشهد قائلين: “لقد فعلنا وجاهدنا وأنجزنا وانتصرنا!”.
عقدة التفوق الوهمي والهروب من الهامشية
تعاني هذه الشخصيات المتطفلة من “تضخم الذات” ونرجسية هشة، تجعلها غير قادرة على الاعتراف بقلة حيلتها أو هامشيتها؛ فتُسقط جهد “الفاعل الحقيقي” على ذاتها لتستمد منه قيمة لا تمتلكها.
إن الوهم العاطفي وركوب أمواج النجاح ميل نفسي يتجه فيه هؤلاء إلى ربط أنفسهم بنجاحات الآخرين لرفع تقديرهم الذاتي أمام الأقران دون تحمّل أي تكلفة فعلية. وفي هذا الهروب المستمر من الشعور بالضآلة، تدّعي “الذبابة” المعاناة وتعيش دور البطل لتبرير وجودها؛ لأن الاعتراف بدور المتفرج يسبب لها ألمًا نفسيًا ناتجًا عن انعدام الأثر.
ظاهرة المتفرجين وغياب التقييم الموضوعي
في كثير من المجتمعات والمؤسسات، تبرز فئة من “المتفرجين” الذين يمتلكون قدرات لسانية وإعلامية فائقة، يستغلونها لسرقة عرق الفاعلين الحقيقيين الذين يعملون بصمت ودأب.
تتضح أبعاد هذا المرض في النقاط التالية:
-
غياب التقييم الموضوعي: عندما يغيب التقييم المبني على الأثر الفعلي، يستوي الذي يعمل بجد مع من يتذثر برداء العمل.
-
تزييف الوعي المجتمعي: غياب القدوة وتهميش “أبطال الظل” يزيفان وعي المجتمع، ليصبح التنظير والادعاء أقصر الطرق للمكانة الاجتماعية بدلاً من الكدح والإنتاج.
-
اقتطاف الثمار بلا ثمن: تحضر هذه الفئات فقط عند قطاف الثمار لتكتب بيانات النصر وتدعي البطولة بعد أن خاض غيرها الميدان ودفع الثمن.
-
تسويق الوهم: يعتمد الإعلام المضلل أحياناً على صناعة بطولات وهمية لتغطية الفشل الهيكلي عبر استعارة إنجازات الأفراد المجهولين.
-
استغلال إنهاك الفاعلين: تعتمد “الذبابة السياسية” أو الإدارية على أن الفاعل الحقيقي منهك من الحرث والعمل، ولا يملك الوقت أو المنابر ليرد على الادعاءات أو يدافع عن حقه الفكري والميداني.
الملح الخفي والأعراض الجانبية للمرض
قد لا يكون الملح ضمن قائمة الطعام الرئيسية، لكن عند غيابه يُشعر به فوراً؛ فالملح هنا يمثل “العنصر الخفي الحقيقي”، وهم “الجنود المجهولون” الذين لا يتصدرون عناوين المهرجانات الخطابية، لكنهم جوهر العملية وبدونهم تفقد الحقيقة طعمها. أما “أبطال المعارك الآمنة” فهم كالزبد الذي يطفو على السطح: ضجيج بلا أثر، وحضور بلا قيمة.
وتتسبب هذه الظاهرة في أعراض جانبية خطيرة داخل بيئات العمل والمجتمعات:
-
الشعور الحاد بالظلم: سرقة نشوة النصر واستحقاق التقدير من صاحب الإنجاز الحقيقي.
-
فجوة المصداقية: إفلاس ثقة أفراد الفريق في معايير التقييم والعدالة.
-
تذويب المجهود الفردي: استخدام لغة التعميم (“نحن أنجزنا”) لتذويب جهد المتميزين لصالح جماعة وهمية.
-
احباط المبدعين: إضعاف حافز أصحاب المجهود الحقيقي للاستمرار بالعطاء طالما أن النتائج تُنسَب لمن لم يتواجد في الميدان.
خارطة طريق لمواجهة إدعاء البطولة
بما أن المتطفل يعتمد على ضبابية المشهد لينسب العمل لنفسه، فإن الحل يكمن في خطوات عملية واضحة:
-
تحديد المهام بدقة: توزيع المسؤوليات والمهام منذ البداية بشكل مكتوب ومعلن.
-
التركيز على المخرجات: تقييم الأفراد بناءً على النتائج الملموسة والمخرجات الفعلية بدلاً من الاستماع لقصص المعاناة والادعاءات.
-
تفكيك لغة التعميم: مواجهة عبارات مثل “فعلنا وأنجزنا” بأسئلة محددة ومباشرة حول الإسهام الفردي الحقيقي لكل طرف.
مدحت مرسي
كاتب وباحث وخبير تنمية بشرية




