بين الميدان والسياسة.. خريطة طريق سودانية جديدة تشكلها المكاسب العسكرية والحراك الإقليمي

بقلم: د. هيام الإبس
يستهل المشهد السوداني مرحلة جديدة تتقاطع فيها التحولات الميدانية المتسارعة مع تحركات سياسية مكثفة على الساحتين الإقليمية والدولية. فبينما يستثمر الجيش السوداني مكاسبه العسكرية الأخيرة في ولاية شمال كردفان لترسيخ سيطرته وإعادة تنظيم صفوفه، تسعى أطراف متعددة لإحياء مسار التفاوض، وسط تقارير عن تحركات لافتة في قيادة قوات الدعم السريع تضع الأزمة برمتها أمام مفصل تاريخي حاسم.
التطورات الميدانية: الجيش يرسخ سيطرته في شمال كردفان
ترأس الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، أول اجتماع أمني رفيع المستوى في الخرطوم، إثر الاستعادة الاستراتيجية لعدد من مدن ولاية شمال كردفان، وفي مقدمتها:
-
بارا
-
جبرة الشيخ
-
أم سيالة
-
أم قرفة
وقد أدت هذه التطورات الميدانية إلى إعادة فتح “طريق الصادرات” الحيوي بين الأبيض والخرطوم، مما منح القوات المسلحة ميزة لوجستية وعسكرية في واحدة من أعقد جبهات القتال.
وأوضح بيان صادر عن مجلس السيادة أن الاجتماع استعرض مجمل الأوضاع الأمنية وسير العمليات العسكرية، إلى جانب تقييم جاهزية القوات النظامية والقوات المساندة، مما يعكس الانتقال العملي للقيادة العسكرية من مرحلة تحقيق الشواهد الميدانية إلى مرحلة تثبيت السيطرة وإدارة المناطق المستعادة.
الأمن الداخلي: ملاحقة الجريمة وتفعيل مؤسسات الدولة
لم ينحصر الاجتماع الأمني في الشق العسكري، بل امتد ليتناول ملف الاستقرار الداخلي عبر إقرار حزمة إجراءات تشريعية وأمنية مكثفة.
وتزامناً مع التقدم الميداني، اتخذت السلطات إجراءات أمنية وقانونية تهدف إلى إعادة تفعيل مؤسسات الدولة وبسط سيادة القانون، حيث تم إقرار إنشاء محاكم خاصة للبت العاجل في الجرائم التالية:
-
جرائم المخدرات
-
الاتجار بالبشر
-
تهريب السلاح والذهب
وتستهدف هذه الخطوات التصدي لشبكات الجريمة المنظمة وتغطية الفراغ الأمني على الحدود، لضمان اقتران السيطرة العسكرية باستقرار أمني وقانوني ملموس للمواطنين.
جبهة المنافس: خسائر الدعم السريع وضغوط الانضباط
في المقابل، أفادت تقارير محلية بمغادرة قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو “حميدتي”، مدينة نيالا (عاصمة جنوب دارفور) بعد إقامة استمرت أكثر من شهرين.
وترجح المصادر أن تكون هذه المغادرة مرتبطة بالخسائر الأخيرة في محور كردفان، والتي شملت فقدان العشرات من الآليات العسكرية. ورغم انتشار هذه الأنباء، لم يصدر عن “الدعم السريع” أي بيان رسمي للتأكيد أو النفي، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات إعادة ترتيب العمليات أو نقل مركز القيادة.
وفي سياق متصل، أشار العقيد القوني علي عسيل إلى توقعات بحدوث موجات استسلام جديدة داخل صفوف الدعم السريع سينكشف عنها فور وصول العناصر إلى مناطق آمنة، متهماً قيادة الدعم السريع بممارسة الضغط والتضليل لإخضاع بعض المكونات القبائلية.
4. المسار السياسي: “الخماسية” وتنشيط مبادرات التسوية
وعلى الصعيد الدبلوماسي، شهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا تحركاً لافتاً تمثل في تقديم “الكتلة الديمقراطية” رؤية سياسية متكاملة خلال اجتماعها مع الآلية الخماسية (الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي، “الإيجاد”، جامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي).
مرتكزات الرؤية السياسية للكتلة الديمقراطية:
-
سودانية الحل: رفض الإملاءات والتدخلات الخارجية.
-
الشمولية والعدالة: إنهاء الإقصاء ومعالجة جذور الأزمة وضمان حقوق الضحايا وعدم الإفلات من العقاب.
-
بناء الثقة: تقديم ضمانات حقيقية لتطبيق ما يتم الاتفاق عليه.
من جانبها، أبدت “الآلية الخماسية” قبولاً مبدئياً لهذه الطروحات، معلنةً عن ترتيبات لإرسال وفد رسمي إلى الخرطوم خلال الأسبوع الأول من سبتمبر المقبل، لإجراء مشاورات مباشرة مع مختلف القوى السياسية.
5. الكلفة الإنسانية ورهانات المستقبل
تأتي هذه التحركات المزدوجة في وقت تعيش فيه البلاد إحدى أشد الأزمات الإنسانية عالمياً منذ اندلاع حرب أبريل 2023؛ حيث خلفت المعارك عشرات الآلاف من الضحايا، ونحو 13 مليون نازح ولاجئ، فضلاً عن التدمير الهائل في البنية التحتية.
خلاصة القول
يؤكد تزامن الضغط الميداني مع الحراك الدبلوماسي اقتناعاً دولياً وإقليمياً متزايداً بأن الحسم العسكري المباشر لن يكون كافياً بمفرده لإنجاز استقرار دائم، وأن تحويل المكاسب الميدانية إلى فرصة للحوار الشامل هو السبيل الوحيد لإيقاف النزيف الإنساني والاقتصادي في السودان.

