
بقلم / الإعلامي نبيل قشطي
تعيش معظم الأسر اليوم حالة من الحيرة العميقة في تربية أبنائها، بل إن بعض الآباء والأمهات يوهمون أنفسهم أحياناً بأنهم يفهمون أولادهم، ليكتشفوا فجأة أن هؤلاء الصغار عاشوا وتعلّموا من “الإنترنت” أكثر مما تعلموه منهم. إن جيل اليوم يختلف جذرياً في أفكاره، ونمط حياته، واهتماماته عن الأجيال السابقة، بعدما أصبح أكثر اطلاعاً على ما يدور حوله عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي المختلفة، مما فتح الباب على مصراعيه لنقاشات لا تنتهي حول الطريقة الأمثل للتعامل مع الأطفال.
انضباط القيمة مقابل الوعي النفسي
تتأرجح الآراء اليوم بين مدرستين في التربية، لكل منهما أنصارها وحججها:
-
التربية التقليدية (القديمة): يرى الكثيرون أنها ربت أجيالاً قادرة على تحمل المسؤولية، واعتمدت بشكل أساسي على الانضباط الصارم، والالتزام بالقيم، والعادات الاجتماعية الأصيلة.
-
التربية الحديثة: في المقابل، يرى المدافعون عنها أنها أكثر وعياً باحتياجات الطفل النفسية والعاطفية، وتمنحه مساحة أكبر للتعبير عن ذاته.
التوازن بين “الحزم والرحمة” لمواجهة تحديات العصر
إن التربية الناجحة لا تقوم على أسلوب واحد جامد، بل تعتمد بالدرجة الأولى على تحقيق التوازن الدقيق بين الحزم والرحمة، وبين فرض القوانين وفتح قنوات الحوار. ويكمن الذكاء الأسري في الاستفادة من القيم الإيجابية التي حملتها التربية التقليدية، مع مواكبة متطلبات العصر الحالي بمرونة.
وإذا عقدنا مقارنة منصفة بين الأجيال، نجد أن:
-
التربية القديمة كانت أكثر فاعلية: لأنها قامت على القرب المباشر من الوالدين، والالتزام بآداب الخروج والعودة، واحترام الكبير، كما أن صعوبة الحياة في الماضي أسهمت في تكوين جيل يعتمد على نفسه ويخدم أسرته.
-
التربية اليوم تواجه غول “السوشيال ميديا”: حيث تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مرعب على سلوك الأبناء، فيتأثرون بكل ما يشاهدونه خلف الشاشات، الأمر الذي يتطلب مزيداً من الرقابة والمتابعة الواعية المبنية على التوجيه الذكي، وليس الشدة التي قد تأتي بنتيجة عكسية، فـ “الممنوع مرغوب” دائماً.
الخلاصة: لا القديمة خاطئة تماماً ولا الحديثة مثالية!
في نهاية المطاف، يمكننا القول بأن التربية القديمة ليست خاطئة بالكامل، ولا الحديثة مثالية بالشكل المطلق. فالطفل في كل زمان ومكان يحتاج إلى الاحتواء والحب، وبالمثل يحتاج إلى قوانين وحدود واضحة تساعده على بناء شخصية متزنة وقادرة على مواجهة مواقف الحياة.
لقد سرقت التكنولوجيا والمنصات الرقمية عقول أطفالنا، وتسببت في إصابتهم بالعزلة وضعف التركيز، وهو ما يدق ناقوس الخطر بضرورة وضع ضوابط ورقابة أسرية واعية لإنقاذ الجيل الجديد.
الإعلامي نبيل قشطي




