تقرير أمريكي يدق ناقوس الخطر: حرب السودان تكشف انهيار منظومة قوات حفظ السلام الدولية

كتبت – د.هيام الإبس
حذرت دراسة أمريكية حديثة من أزمة غير مسبوقة تضرب منظومة عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، مؤكدة أن الحرب الدائرة في السودان وضعت نموذج حفظ السلام التقليدي على حافة النهاية. وأوضحت الدراسة أن الهجوم الذي استهدف القوات الأممية أواخر عام 2025 لم يكن مجرد حادث ميداني عابر، بل ناقوس خطر يعلن عدم قدرة المنظمة الدولية على حماية قواتها في مواجهة الحروب الحديثة.
مسيّرة انتحارية تنهي أسطورة “حصانة القبعات الزرق”
كشفت الدراسة، التي نشرتها مجلة Small Wars Journal التابعة لجامعة ولاية أريزونا، أن الضربة التي نفذتها طائرة مسيّرة ضد قاعدة تابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في أبيي (UNISFA) بمدينة كادقلي السودانية، والتي أسفرت عن مقتل ستة جنود بنجلاديشيين، كانت نقطة تحول خطيرة. الهجوم استمر لعشر دقائق فقط واستهدف مستودعًا للوقود، لكن رسالته كانت واضحة: قوات الأمم المتحدة لم تعد تتمتع بالحصانة، وأصبحت تواجه تهديدات تكنولوجية لم تُصمم للتعامل معها.
السودان.. حقل تجارب للمسيّرات والتكنولوجيا العسكرية
أشار التقرير إلى أن الحرب السودانية تحولت خلال العامين الماضيين إلى أحد أبرز ميادين اختبار الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة والأسلحة الدقيقة. وأوضح معدو الدراسة أن قوات الدعم السريع – التي اتهمها الجيش السوداني بتنفيذ الهجوم – باتت تعتمد بشكل متزايد على هذه التكنولوجيا العسكرية الحديثة وأنظمة الدفاع الجوي، مما غير طبيعة المعركة بالكامل وجعل القوات الدولية في مرمى النيران الصديقة والعدوة على حد سواء.
عقيدة تسعينيات القرن الماضي تواجه حروب القرن الحادي والعشرين
انتقدت الدراسة استمرار الأمم المتحدة في إدارة عملياتها وفق عقيدة عسكرية تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، في وقت تغيرت فيه طبيعة الحروب إلى ضربات دقيقة ومفاجئة تقودها جماعات مسلحة غير نظامية مدعومة من قوى إقليمية (حروب بالوكالة). هذا الواقع الجديد يجعل من الصعب تطبيق القواعد التقليدية القائمة على الحياد وموافقة أطراف النزاع، حيث لا يعترف العديد من الفاعلين بحصانة القوات الدولية.
نقص التمويل الأمريكي يعمي “عيون” الاستخبارات الأممية
ربط التقرير مباشرة بين تراجع حماية القوات والانخفاض الكبير في التمويل الأمريكي المخصص لعمليات الأمم المتحدة. تقليص الميزانيات انعكس على قدرات المراقبة الجوية والاستطلاع؛ فبعد أن كانت بعض البعثات تنفذ طلعات استكشافية أسبوعية بالطائرات المسيّرة، تراجع المعدل إلى طلعة واحدة كل عدة أشهر. هذا “العمى الاستخباراتي” جعل القوات تتحرك في مناطق عالية الخطورة دون صورة واضحة عن تحركات المسلحين.
فشل الإنذار المبكر وقيود جمع المعلومات
كشف التقرير أن مجلس الأمن تلقى تقارير مسبقة عن تصاعد تحركات قوات الدعم السريع وإنشائها نقاط تفتيش غير قانونية حول مناطق انتشار الأمم المتحدة، إلا أن مركز التحليل المشترك للمعلومات (JMAC) فشل في إصدار إنذارات مبكرة. وتعاني المنظومة الأممية من قيود تمنعها من بناء شبكات معلومات بشرية محلية أو الاستفادة السريعة من المعلومات مفتوحة المصدر، معتمدة فقط على تقارير رسمية بطيئة.
توصيات عاجلة: رادارات وتشويش وقواعد اشتباك جديدة
طالبت الدراسة بتغيير شامل وفوري في إستراتيجية الأمم المتحدة، ودعت إلى:
-
تزويد القواعد برادارات صغيرة، وأجهزة تشويش، وأنظمة إنذار مبكر مضادة للمسيّرات كأجزاء أساسية في أي بعثة.
-
تحديث برامج التدريب للتعامل مع “الذخائر المتسكعة” والطائرات الانتحارية.
-
تعديل قواعد الاشتباك لمنح القوات الحق في إسقاط أي طائرة تشكل تهديدًا مباشرًا.
واختتم التقرير بتحذير شديد اللهجة للدول الكبرى المساهمة بالقوات (مثل بنجلاديش والهند ورواندا ونيبال) بضرورة الضغط لتوفير الحماية لجنودها، مؤكدًا أن استمرار الوضع الحالي بالأدوات القديمة سيحول “القبعات الزرق” تدريجيًا إلى أهداف سهلة على ساحات القتال.



