ثقل الكلمات المكتومة وأزمة البحث عن السامع الأمين
بقلم التربوي / الشيخ محمد عرفة البهادي
في خضم الحياة المعاصرة وضغوطها المتزايدة، تبرز حقيقة نفسية مؤلمة: النفوس الممتلئة لا راحة لها إلا بإخراج ما يثقل كاهلها. إلا أن البشر يواجهون في رحلة البحث عن التنفيس مشكلتين معقدتين؛ فإما أن يجد المرء سامعاً غير أمين يفرط في سره، أو يجد أميناً منشغلاً لا يستمع إليه من الأساس. ونتيجة لهذه المعضلة، يظل الكثيرون يحملون ثقل نفوسهم وحدهم، حتى يصيبهم الهرم والشيخوخة المبكرة وهم في مقتبل العمر، أو تتملكهم أمراض نفسية وجسدية تكاد تذهب بالعقول.
رؤية تحليلية: أذن تسمع وكتف يُتّكأ عليه لشفاء المتعبين
لقد كشفت الحالات الإنسانية في الآونة الأخيرة عن أعداد كبرى من المتعبين الذين وصلوا إلى حافة المرض الفعلي، ولم يكن شفاؤهم بحاجة إلى عقاقير طبية، بل كان يكمن في “أذن تسمع، ويد تحنو، وكتف يُتّكأ عليه”. لكن البلية الكبرى في مجتمعاتنا اليوم هي أن الأشخاص المرجو منهم الإنصات منشغلون تماماً عن بعضهم البعض؛ سواء كانوا أزواجاً، أو أشقاء، أو أصدقاء، مما عمّق الفجوة العاطفية وزاد من عزلة الفرد داخل محيطه الاجتماعي.
منظور علم النفس: حبس الكلمات هو الفتيل الخفي للاكتئاب
يؤكد علماء النفس والاجتماع أن “الفضفضة” تمثل نصف العلاج النفسي وقد تكون العلاج كله في كثير من الأحيان. فالكلمة المكتومة تفعل في أعمق نقطة بالنفس البشرية فعل الجرح المتسخ الذي يوشك أن ينفجر في أي لحظة؛ إذ إن جل أسباب الاكتئابات المعاصرة وضياع جيل الشباب تعود إلى حبس الكلمات، وافتقاد المستمع الحكيم، في مقابل كثرة المتكلم الناقد والموبخ. ومع دخول الآلة والتكنولوجيا الحديثة، زاد خرس البشر، وتضاعفت آلام المتوجعين خلف شاشاتهم الصامتة.
خارطة طريق إنسانية: آداب الاستماع وتفقد الساكتين
إن الاستماع لآهات المتعبين وإراحتهم يُعد عند الله من عظيم القربات والإصلاح بين الناس، ولتحقيق هذا التكافل النفسي، وجب اتباع الآتي:
-
تفقد الساكتين: التفتوا إلى الصامتين من حولكم؛ فكم من متعفف عن طلب السامع كما يتعفف الجائع عن طلب الطعام.
-
الإنصات الكامل: إذا تحدث إليك أحدهم، اترك هاتفك فوراً، وأعطه كُلّك، وأظهر تأثرك الصادق بما يقول.
-
الدعم المعنوي: قُل لمحدثك ما يعينه على أن يكمل حديثه براحة، دون أن يشعر بالندم لافتتاح قلبه لك.
خاتمة: الكرم الهين وعلاج البشرية المجاني
إن البشر مساكين، والصدقة عليهم ذات ثمن بخس لكن أثرها عظيم؛ إذ لا تتعدى كونها آذاناً تستمع وقلوباً تحنو، وهو ما رسخه الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: “الكرم شيء هين: وجه طلق وكلام لين”. فما أشقى البشرية حين يكون علاجها النفسي والروحي مجانياً ومتاحاً بالتراحم، وتصر مع ذلك على التعب، والجفاء، والحرمان! تلاطفوا، وتقاربوا، وتواددوا، وتسامعوا يرحمكم الله