سر الأقنعة المقدسة.. طقوس بنين الروحية تتحول إلى محرك اقتصادي للثقافة الأفريقية

كتبت – د. هيام الإبس
لم تعد السياحة في أفريقيا تقتصر على رحلات السفاري والاستمتاع بالطبيعة الخلابة؛ بل بات التراث الروحي للشعوب محركاً اقتصادياً يفرض نفسه بقوة على خارطة السياحة العالمية. ومن قلب جمهورية بنين، وتحديداً من شوارع عاصمتها “بورتو نوفو”، تتجلى هذه الفلسفة الجديدة عبر “مهرجان الأقنعة”، الذي يتحول سنوياً إلى نقطة التقاء استثنائية بين التاريخ الشفهي، والطقوس الروحية، والرهانات الاقتصادية للدولة في سعيها لتصدير هويتها الأفريقية الأصيلة إلى العالم.
“بورتو نوفو”.. مسرح مفتوح يحتفي بالعمق الثقافي الأفريقي
تحولت العاصمة السياسية لبنين إلى مسرح مفتوح يحتفي بالعمق الثقافي للقارة السمراء، حيث انطلقت فعاليات “مهرجان الأقنعة” بمشاركة واسعة لمواكب وطقوس تقليدية ساحرة، جسدتها شخصيات تراثية بارزة مثل “إيغونغون”، “زانغبيتو”، و”غويليدي”.
ويأتي هذا الحدث في إطار توجه استراتيجي حكومي لتوظيف الموروث الروحي والثقافي لبنين في دعم قطاع السياحة، وتعزيز مكانة البلاد كوجهة رائدة للثقافة الأفريقية.
لغة حضارية ورسائل من الأجداد عبر الأقنعة المقدسة
على مدار يومين، شهدت شوارع المدينة استعراضات ومواكب شعبية نابضة بالحياة، أظهرت أن الأقنعة في الثقافة المحلية ليست مجرد أدوات للزيينة أو العروض الفنية، بل رموز تحمل دلالات روحية واجتماعية عميقة تعكس معتقدات المجتمعات الأفريقية وقيمها عبر القرون.
وفي هذا السياق، أوضح أستاذ الثقافة والتراث “ماهوغنون كاكبو” أن الأقنعة تُشكل “لغة حضارية عالمية” استخدمتها مختلف الحضارات لنقل المعارف والأفكار بين الأجيال، مضيفاً:
“الأقنعة ليست مجرد ما يُرتدى على الوجه، بل هي أوعية رمزية تحمل رسائل تركها الأجداد لتُعبر عن هوية المجتمع وقيمه الثقافية والروحية.”
وأشار “كاكبو” إلى أن المهرجان يسعى لتعريف الزوار بالرسائل الثقافية للأقنعة المقدسة والاحتفالية على حدٍ سواء، لافتاً إلى أن فتح باب المشاركة الدولية سمح بضم أقنعة من دول أخرى، مما حول الحدث إلى منصة للحوار الثقافي بين الشعوب مع الحفاظ على خصوصية التراث البنيني.
تجربة سياحية حيّة وتفاعل مباشر مع الجذور
شهد المهرجان إقبالاً لافتاً من السياح الأجانب الذين تفاعلوا بشغف مع الطقوس والمراسم التقليدية. وأبدى عدد من الزوار إعجابهم بالأزياء الفلكلورية، والرقصات والموسيقى الشعبية، وتسريحات الشعر التقليدية، مؤكدين أن هذه التجربة الثرية دفعتهم للبحث والاستكشاف في التاريخ الديني والاجتماعي للأقنعة الأفريقية.
ويأتي هذا النجاح متوافقاً مع الاستراتيجية الجديدة التي تتبناها بنين لتطوير قطاع السياحة؛ إذ تتجاوز النمط التقليدي القائم على زيارة المواقع الأثرية، لنقل الزائر إلى عمق التجربة الثقافية من خلال التفاعل المباشر مع المجتمعات المحلية وحملة التراث.
اقتصاد الثقافة وإعادة الاعتبار للهوية الوطنية
تسعى الحكومة البنينية للاستفادة من الزخم المتزايد للسياحة الثقافية في أفريقيا—خاصة مع إدراج العديد من المواقع والطقوس الأفريقية على قائمة “اليونسكو” للتراث الثقافي غير المادي. ويُعد المهرجان محركاً أساسياً لإنعاش الاقتصاد المحلي من خلال دعم الصناعات الحرفية، والفنون التقليدية، وقطاع الخدمات.
كما يندرج المهرجان ضمن جهود أوسع تبذلها دول غرب أفريقيا (مثل بنين ونيجيريا وغانا) لإعادة الاعتبار للهوية الوطنية بعد عقود من التهميش، بالتوازي مع حراك استعادة المقتنيات الأثرية المنهوبة وربطها ببرامج سياحية تُسهم في خلق فرص اقتصادية جديدة.
رهانات المستقبل: التوازن بين الاستثمار وحماية الأصالة
ويرى مراقبون أن النجاح الذي حققه مهرجان الأقنعة يعكس تحولاً كبيراً في التفضيلات السياحية العالمية نحو التجارب الأصيلة المرتبطة بالهوية؛ إلا أن التحدي الأكبر أمام بنين سيبقى متمثلاً في قدرتها على تحقيق التوازن الدقيق بين التوسع السياحي التجاري والصيانة الصارمة للطابع الروحي والأصيل للمهرجان، ضماناً لنقل هذا الإرث الحي إلى الأجيال القادمة دون أن يفقد جوهره أو يتحول إلى مجرد استعراض تجاري.








