أراء وقراءات

سطوة “الترند”.. الهاشتاجات أصبحت سلاح لتشكيل الوعي وتوجيه الشعوب؟

بقلم / الدكتورة هناء خليفة

لم تعد الهاشتاجات مجرد وسيلة لتنظيم المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى واحدة من أكثر أدوات التأثير قوة في تشكيل الرأي العام وتوجيه الانتباه الجماعي.

فما يبدأ أحيانًا بكلمة مسبوقة بعلامة (#)، قد ينتهي بحملة ضغط، أو موجة غضب، أو تغيير في اتجاهات الجمهور، وربما التأثير على قرارات مؤسسات وشخصيات عامة.

في عصر السوشيال ميديا، لم يعد الناس ينتظرون نشرات الأخبار لمعرفة “ما القضية الأهم اليوم”، لأن الترند أصبح يقوم بهذه المهمة بدلًا من الإعلام التقليدي أحيانًا.

فالمنصات الرقمية لا تعرض فقط ما يحدث، بل تعطي الأولوية لما يحقق أعلى تفاعل، وهنا تبدأ صناعة الاهتمام الجماعي.

*كيف يتحول الهاشتاج إلى قضية رأي عام؟

ليس كل هاشتاج ينجح في جذب الانتباه، لكن بعض الهاشتاجات تمتلك عناصر تجعلها قابلة للانتشار السريع، مثل الإثارة أو الصدمة، البعد الإنساني والعاطفي، الجدل والانقسام، ارتباطها بشخصية معروفة، وسهولة المشاركة والتعليق.

ومع تكرار الظهور على الصفحات الرئيسية والمنصات المختلفة، يبدأ الجمهور في الشعور بأن هذا الموضوع هو “الأكثر أهمية”، حتى لو كانت هناك قضايا أخرى أكثر تأثيرًا في الواقع.

وهنا تظهر قوة الترند، فهو لا يفرض فقط ما الذي نتحدث عنه، بل يحدد أيضًا ما الذي نتجاهله.

*من التعبير الحر إلى التوجيه غير المباشر

في الظاهر، تبدو الترندات وكأنها انعكاس طبيعي لاهتمامات الناس، لكن الواقع أكثر تعقيدًا.

فالخوارزميات تلعب دورًا أساسيًا في تضخيم بعض الموضوعات ومنحها انتشارًا أكبر، اعتمادًا على حجم التفاعل وسرعته.

كل إعجاب أو تعليق أو مشاركة لا يُعتبر مجرد تفاعل فردي، بل يدخل في دائرة أوسع تُعيد دفع المحتوى إلى مزيد من المستخدمين.

ومع الوقت، يتحول التفاعل الجماعي إلى نوع من “الضغط الرقمي”، يجعل الأفراد يشعرون بأن هناك رأيًا عامًا سائدًا يجب الانضمام إليه.

لهذا، كثيرًا ما نجد أنفسنا نشارك في نقاشات لم نكن مهتمين بها أصلًا، فقط لأن الجميع يتحدث عنها.

*الهاشتاجات وصناعة الانقسام

المشكلة لا تكمن فقط في سرعة انتشار الترند، بل في الطريقة التي يعيد بها تقسيم الجمهور إلى معسكرات متقابلة.

فمعظم الترندات تقوم على الاستقطاب… مؤيدون ضد معارضين، هجوم مقابل دفاع، تعاطف مقابل تشكيك.

ومع تصاعد التفاعل، تتحول القضية أحيانًا من نقاش عقلاني إلى معركة رقمية، يصبح فيها الهدف هو الانتصار للرأي لا البحث عن الحقيقة.

*لماذا ننجذب للترندات بهذه السرعة؟

الإنسان بطبيعته يميل إلى الانتماء للجماعة، والسوشيال ميديا تستغل هذا الميل بذكاء.

فعندما يرى المستخدم أن ملايين الأشخاص يتفاعلون مع قضية معينة، يشعر بشكل غير مباشر أن تجاهلها يعني العزلة أو التأخر عن “المشهد العام”.

كما أن الترندات تمنح الناس شعورًا بالمشاركة والتأثير، حتى لو كان هذا التأثير مؤقتًا أو رمزيًا.

لكن الخطورة تظهر عندما يصبح الحكم على القضايا مبنيًا على عدد المشاركات، حجم التفاعل، قوة الضجة، وليس على دقة المعلومات أو عمق الفهم.

*هل الترند دائمًا سلبي؟

بالطبع لا… فكثير من الهاشتاجات ساهمت في تسليط الضوء على قضايا إنسانية، كشف مشكلات اجتماعية، دعم حملات التبرع والمساعدة، وإيصال أصوات لم تكن تجد مساحة في الإعلام التقليدي.

لكن الفارق الحقيقي يكمن في وعي الجمهور، لأن الترند يمكن أن يكون وسيلة للوعي أو وسيلة للتوجيه والانفعال السريع.

وفي الختام …

لم تعد الهاشتاجات مجرد كلمات تتصدر الشاشات، بل أصبحت جزءًا من معركة الانتباه والتأثير وتشكيل الإدراك العام.

وفي عالم تتحكم فيه الخوارزميات بما نراه يوميًا، ربما لم يعد السؤال الأهم “ما الذي يتصدر الترند؟” بل “من الذي جعل هذا يتصدر الترند ولماذا؟”

دكتورة هناء خليفة

دكتوراة في الإعلام من كليه الآداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى