الرياضة

عندما يرصد المستطيل الأخضر استفتاء الجماهير العربية للوحدة (7) كرة القدم… آخر ما تبقى من الهوية العربية

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في إحدى ليالي كأس العالم 2026 كانت الكاميرا التي جابت وجوه الجماهير في المدرجات خلال ثوانٍ معدودة، انتقلت العدسة بين مشجع سعودي يحتضن علماً مغربياً، وشاب مصري يرفع علم الجزائر، وعائلة أردنية تردد هتافات المنتخب التونسي، وشاب فلسطيني يلتف بعلم بلاده بينما يصفق لمنتخب عربي آخر.

لم تكن تلك الصور مصنوعة من أجل الإعلام، ولم يكن أصحابها يمثلون أمام العدسات كانت لحظات صادقة خرجت من القلب مباشرة، دون بروتوكولات، ودون شعارات معدة سلفًا، ودون دعوات رسمية إلى الوحدة.

في تلك اللحظة، لم يخطر ببالي سؤال عن نتيجة المباراة، بل سؤال أكبر بكثير:

هل أصبحت كرة القدم آخر ما تبقى من الهوية العربية؟

قد يبدو السؤال عاطفيًا لأول وهلة، لكنه في الحقيقة سؤال يستحق التأمل لأن ما رأيناه في مدرجات المونديال لم يكن مجرد تشجيع رياضي، بل كان تعبيرًا عفويًا عن شعور دفين، ظل ساكنًا في وجدان الملايين، حتى جاءت كرة القدم لتوقظه من جديد.

منذ عقود طويلة، اعتادت الأمة العربية أن تبحث عن المساحات التي تجمع أبناءها مرة في الأدب، ومرة في الموسيقى، ومرة في السينما، ومرة في القضايا الكبرى التي شكلت جزءًا من وجدانها المشترك لكن الزمن تغيّر، وتبدلت الأولويات، وتفرقت المسارات، وأصبحت المناسبات التي تلتقي فيها المشاعر العربية نادرة.

ومع كل هذا، بقيت كرة القدم استثناءً لافتًا

كل أربع سنوات، يتكرر المشهد ذاته تتوقف المدن، وتمتلئ المقاهي، وتُرفع الأعلام، وتتحول الشاشات إلى نوافذ تطل منها القلوب على حلم واحد.

لا أحد يطلب من الناس أن يتحدوا، ولا أحد يفرض عليهم أن يشجعوا منتخبًا عربيًا، لكنهم يفعلون ذلك بعفوية كاملة، وكأن شيئًا في داخلهم يقول إن هذه المباراة ليست مباراة دولة بعينها، بل مباراة تخصهم جميعًا.

وهنا تكمن قوة كرة القدم؛ فهي لا تصنع الهوية، وإنما تكشف عنها.

قد نختلف في السياسة، وفي الاقتصاد، وفي وجهات النظر، لكننا حين نجلس أمام مباراة لمنتخب عربي، تختفي كثير من الأسئلة، ويبقى سؤال واحد فقط: هل سيفوز؟

هذه البساطة ليست سذاجة، بل هي تذكير بأن الإنسان، مهما تعقدت حياته، يظل يبحث عن نقطة يلتقي فيها مع الآخرين.

ولعل كرة القدم أصبحت، دون أن تقصد، آخر تلك النقاط.

إنها ليست مجرد لعبة، بل مساحة نفسية يشعر فيها العربي بأنه ليس وحده، وأن هناك ملايين القلوب التي تنبض بالإيقاع نفسه، وتعيش التوتر نفسه، وتفرح بالطريقة نفسها.

صور الذاكرة العربية المشتركة

في علم الاجتماع، يتحدث الباحثون عن مفهوم “الذاكرة الجمعية”؛ وهي ذلك الرصيد من الصور والمواقف والمشاعر التي تشكل هوية الشعوب عبر الزمن.

ولو أردنا أن نفتش اليوم عن بعض أبرز صور الذاكرة العربية المشتركة لدى الأجيال الجديدة، لوجدنا أن كثيرًا منها يرتبط بكرة القدم.

  • أهداف تاريخية.
  • احتفالات لا تُنسى.
  • دموع لاعب عربي بعد نهاية مباراة.
  • مدرج يهتف باسم منتخب لا ينتمي إليه جغرافيًا، لكنه ينتمي إليه وجدانيًا.

هذه المشاهد لا تُحفظ في أرشيف الرياضة فقط، بل تُحفظ في ذاكرة أمة كاملة.

وليس من قبيل المصادفة أن تتحول مباريات المنتخبات العربية إلى مناسبات عائلية في البيوت، يجلس الجميع أمام الشاشة، من الطفل إلى الجد.

وفي المقاهي، ينسى الغرباء أنهم غرباء وفي الشوارع، يصبح الهدف الذي يسجله لاعب عربي مناسبة للاحتفال في مدن لم تطأها قدماه.

أي قوة تمتلكها هذه اللعبة حتى تجعل إنسانًا في الدار البيضاء يقفز فرحًا لهدف سجله لاعب في منتخب من الخليج؟ وأي سر يجعل أبًا في بغداد يدعو بالتوفيق لمنتخب من شمال إفريقيا وكأنه يدعو لابنه؟

إن الإجابة لا تكمن في الكرة، بل في الإنسان فالكرة لم تخلق هذه المشاعر، وإنما منحتها فرصة للظهور.

كيف نحافظ على الهوية العربية 

لكن هل من العدل أن نحمل كرة القدم وحدها عبء الحفاظ على هذا الشعور؟

بالتأكيد لا فالهوية لا ينبغي أن تزورنا كل أربع سنوات ثم تغادر مع صافرة النهاية.

إذا كانت الملاعب تستطيع أن تجمع القلوب، فإن المدارس قادرة على ترسيخ المعرفة المشتركة، والجامعات قادرة على بناء التعاون، والإعلام قادر على صناعة خطاب يقرّب ولا يباعد، والثقافة قادرة على اكتشاف الجمال في التنوع العربي بدلًا من تحويله إلى سبب للخلاف.

إن كرة القدم تفتح الباب، لكنها لا تستطيع أن تبني البيت وحدها وربما لهذا السبب ينبغي أن ننظر إلى المونديال باعتباره رسالة أكثر منه بطولة.

رسالة تقول إن الشعوب لم تفقد قدرتها على اللقاء وأن الهوية العربية لم تختف، بل تغيرت طرق تعبيرها.

لم تعد تُقاس فقط بالخطب أو البيانات، وإنما أصبحت تظهر في صورة طفل يحمل علمين عربيين، أو مشجع يصفق لمنتخب ليس منتخب بلاده، أو عائلة تحتفل بفوز عربي كما لو أنه فوز شخصي.

هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع التاريخ الكبير.

تعريف الجماهير للهوية العربية 

لقد حاول كثيرون خلال العقود الماضية أن يعرّفوا الهوية العربية بتعريفات سياسية أو أيديولوجية ضيقة، لكن الجماهير قدمت تعريفًا أكثر بساطة وأقرب إلى الإنسان.

  • الهوية ليست أن نتشابه في كل شيء.
  • وليست أن نلغي خصوصياتنا.
  • وليست أن نتخلى عن أعلامنا الوطنية.

الهوية هي أن يبقى في داخل كل واحد منا متسع من القلب يفرح لأخيه وهذا بالضبط ما رأيناه في كأس العالم.

كان المشجع يرفع علم وطنه بكل اعتزاز، ثم يصفق للعلم العربي الآخر بكل محبة لم يشعر أحد أن الأمرين متناقضان، بل كانا يكمل أحدهما الآخر.

ومن أجمل الدروس التي قدمتها هذه البطولة أنها أعادت الاعتبار إلى مفهوم القوة الناعمة العربية.

فالعالم لم يرَ في المدرجات جماهير متنافرة، بل رأى شعوبًا تعرف كيف تحتفل معًا، وكيف تحترم بعضها، وكيف تحول المنافسة إلى مناسبة للتقارب.

وهذه الصورة لا تقل أهمية عن أي إنجاز رياضي ففي عصر تتشكل فيه الانطباعات عبر الشاشات، أصبحت صورة الإنسان العربي وهو يعانق أخاه العربي رسالة حضارية تصل إلى ملايين البشر حول العالم.

بداية لاستعادة الهوية العربية 

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن نحمله معنا بعد أن تنتهي البطولة:

هل نريد أن تبقى كرة القدم آخر ما تبقى من الهوية العربية، أم نجعلها بداية لاستعادة هذه الهوية في مجالات أخرى؟

إن المدرجات قدمت الإجابة، لكن بصمت قالت إن الناس مستعدون للقاء وإن القلوب لم تغلق أبوابها وإن ما يجمع العرب لا يزال حيًا، ينتظر فقط من يمنحه فرصة جديدة.

عندما تُطفأ أنوار الملاعب، وتُطوى صفحات كأس العالم، سيظن البعض أن الحكاية قد انتهت، لكن الحقيقة أن الحكاية الحقيقية تبدأ بعد صافرة النهاية فالبطولات تأتي وتمضي، والأبطال يتبدلون، والنتائج تُنسى مع مرور الزمن، أما المشاعر التي تصنعها اللحظات الصادقة، فإنها تبقى في الذاكرة طويلًا.

لقد أثبتت مدرجات مونديال 2026 أن الهوية العربية ليست فكرة قديمة نقرأ عنها في كتب التاريخ، وليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل شعور حي، ينبض كلما وجد سببًا يجمع الناس على الفرح والأمل والاحترام المتبادل وربما كانت كرة القدم آخر مساحة كبرى تُذكّرنا بهذه الحقيقة، لكنها لا ينبغي أن تكون الأخيرة.

إن القيمة الحقيقية لهذا المونديال ليست في عدد الأهداف، ولا في أسماء المنتخبات المتأهلة، بل في ذلك الاكتشاف الجميل الذي أعادته الجماهير إلى الواجهة: أن القلوب العربية ما زالت تعرف الطريق إلى بعضها، وأن المسافات، مهما طالت، لا تستطيع أن تمحو لغة الود، ولا أن تُطفئ جذوة الانتماء.

ولعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذه التجربة هو أن نتعامل مع كرة القدم كما نتعامل مع المرآة؛ فهي لا تصنع ملامحنا، لكنها تكشفها بوضوح وإذا كانت قد كشفت لنا أن هذه الأمة ما زالت قادرة على أن تفرح معًا، وأن تحلم معًا، وأن ترفع أعلامها المختلفة في لوحة واحدة لا يفسدها الاختلاف، فإن مسؤوليتنا جميعًا هي ألا نترك تلك الصورة معلقة في المدرجات وحدها.

فالأمم لا تُبنى بما يحدث في تسعين دقيقة داخل الملعب، وإنما بما تتعلمه من تلك الدقائق خارج الملعب وإذا كان المستطيل الأخضر قد أعاد إلينا الإيمان بأن الهوية العربية لا تزال تنبض بالحياة، فإن المستقبل ينتظر منا أن نحول هذا النبض إلى عمل، وهذا الشعور إلى ثقافة، وهذا اللقاء العابر إلى مشروع دائم، حتى يأتي اليوم الذي لا تكون فيه كرة القدم آخر ما تبقى من الهوية العربية… بل واحدة من أجمل صورها.

ودائما نقول:

ما يجمع العرب أكبر مما يفرقهم فالهوية العربية لم تمت إنها قادمة

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى