عندما يرصد المستطيل الأخضر استفتاء الجماهير العربية للوحدة (8) 90 دقيقة صنعت ما عجزت عنه عقود

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
شهد صيف عام 2026 مشهدًا استثنائيًا تجاوز حدود المنافسة الكروية في بطولة كأس العالم، ليتحول إلى قصة عميقة من الانتماء والتعاضد البشري. فبينما عجزت عقود طويلة من المؤتمرات والشعارات عن تحقيق شعور حقيقي بالمواطنة العربية الجماعية، استطاعت تسعينيّة كرة القدم أن تجمع ملايين القلوب حول كل منتخب عربي مشارك، بغض النظر عن اختلاف الرايات أو اللهجات، لتثبت أن الفطرة العربية قادرة على التلاقي متى توفرت لحظة صدق مشتركة.
لحظات تاريخية في الوجدان العربي
في حياة الأمم، هناك لحظات لا يقاس أثرها بالزمن، بل بما تتركه في الوجدان قد تمر دقيقة واحدة فتغير مجرى التاريخ، وقد تستغرق سنوات طويلة دون أن تترك في النفوس سوى التعب والخيبة وبين هذين المشهدين، وقف العالم في صيف عام 2026 يتابع مباريات كأس العالم، بينما كان العرب يعيشون قصة أخرى، أكثر عمقًا من مجرد منافسة كروية، وأكثر اتساعًا من حدود المستطيل الأخضر.
لم تكن الحكاية تتعلق بهدفٍ يسكن الشباك، أو بمنتخبٍ يعبر إلى الدور التالي، بل كانت تتعلق بما حدث خارج خطوط الملعب.
كانت تتعلق بملايين القلوب التي قررت، من تلقاء نفسها، أن تنحاز لبعضها، وأن تجعل من كل منتخب عربي ممثلًا لها، مهما اختلفت الراية أو تبدلت اللهجة.
عندها فقط، بدا السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: كيف استطاعت تسعون دقيقة أن تصنع ما عجزت عنه عقود طويلة؟
ليس لأن كرة القدم تمتلك عصًا سحرية، وإنما لأنها خاطبت الفطرة العربية الذي تسكن داخل كل عربي، قبل أن تخاطب المواطن الذي يحمل جواز سفره.
على امتداد العقود الماضية، كُتبت آلاف الصفحات عن التعاون العربي، وعُقدت عشرات المؤتمرات، وأُطلقت مبادرات لا حصر لها، ورُفعت شعارات كبيرة تحمل أحلامًا أكبر بعضها نجح، وكثير منها تعثر، لكن شيئًا واحدًا بقي عصيًا على التحقق الكامل، وهو أن يشعر المواطن العربي، في حياته اليومية، بأنه جزء من نبض جماعي واحد.
حتى جاءت كرة القدم، دون أن تخطط لذلك، لتمنح هذا الشعور مساحة حقيقية للحياة.
القوة الناعمة ومشاهد التضامن في المدرجات
فلم يكن المشجع العربي ينتظر دعوة رسمية ليؤازر منتخبًا عربيًا، ولم يكن يحتاج إلى خطاب يحثه على الفرح بانتصار شقيقه كان يفعل ذلك بعفوية، وكأنه يستعيد شيئًا ظل يبحث عنه طويلًا.
في كأس العالم، لا يجلس الناس أمام الشاشة لأنهم مضطرون، بل لأنهم يريدون ذلك لهذا، فإن المشاعر التي يولدها المونديال هي من أكثر المشاعر صدقًا.
وحين ترى مدينة عربية بأكملها تحتفل بفوز منتخب عربي آخر، فإنك تدرك أن ما يجمع الناس أقوى بكثير من كل الخلافات التي تظهر على السطح.
لقد شاهدنا خلال البطولة أطفالًا يحفظون أسماء لاعبين من دول عربية لم يزوروها يومًا، ورأينا جماهير ترتدي قمصان منتخبات متعددة في المدرج نفسه، وتغني النشيد الوطني لدولة ليست دولتها، فقط لأنها أصبحت تمثل الحلم العربي في تلك اللحظة.
هذه ليست مجاملات رياضية إنها تعبير صادق عن شعور بالانتماء، لا يمكن اصطناعه.
لقد علمتنا كرة القدم درسًا بالغ الأهمية فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى خطاب طويل حتى يشعر بالقرب من الآخر أحيانًا تكفي لحظة فرح مشتركة أو دمعة واحدة أو هدف في الدقيقة الأخيرة.
هذه التفاصيل الصغيرة استطاعت أن تختصر مسافات صنعتها سنوات طويلة من التباعد لهذا لم يكن غريبًا أن تتحول المقاهي العربية إلى ساحات احتفال جماعية.
في عمّان، والدوحة، والجزائر، والخرطوم، وتونس، ونواكشوط، وصنعاء، ومسقط، كان المشهد واحدًا، وإن اختلفت تفاصيله فالجميع ينتظر الخبر السعيد نفسه.
المفارقة أن كرة القدم لم تطلب من أحد أن يتخلى عن هويته الوطنية، بل على العكس.
كل مشجع كان أكثر اعتزازًا بعلم بلاده، لكنه في الوقت نفسه كان يجد في داخله مساحة واسعة ليحب علمًا عربيًا آخر.
وهنا يكمن جوهر الفكرة.
الوحدة الحقيقية لا تبدأ بإلغاء الخصوصيات
فالوحدة الحقيقية لا تبدأ بإلغاء الخصوصيات، وإنما باحترامها ولا تعني أن تصبح الأعلام متشابهة، بل أن تبقى مختلفة، وهي ترفرف في سماء واحدة من المحبة والاحترام.
ربما لهذا السبب، كانت مدرجات كأس العالم أكثر صدقًا من كثير من المنابر ففي المدرجات
- لا توجد خطابات معدة سلفًا.
- ولا بيانات رسمية.
- ولا حسابات معقدة.
هناك فقط بشر جاءوا يحملون أحلامهم، فاكتشفوا أن أحلام الآخرين تشبه أحلامهم إلى حد بعيد.
لم يكن أحد ينتظر مقابلًا لأن الفرح الحقيقي لا يعرف الحسابات.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نتوقف عنده ليس: لماذا نجحت كرة القدم؟
بل: ماذا يمكن أن نتعلم منها؟
الهدف الواضح يقود لتجاوز الخلافات
فالرياضة لا تقدم حلولًا لكل مشكلات الواقع، لكنها تكشف شيئًا مهمًا؛ وهو أن الشعوب، عندما تجد هدفًا واضحًا، تستطيع أن تتجاوز كثيرًا من خلافاتها.
وهذا الدرس لا ينبغي أن يبقى داخل الملاعب إنه يصلح للتعليم، والاقتصاد، والثقافة، والعمل التطوعي، والبحث العلمي، وريادة الأعمال فإذا كانت الملايين استطاعت أن تتوحد خلف أحد عشر لاعبًا، أفلا تستطيع أن تتعاون من أجل مستقبل أفضل لأبنائها؟
لقد كشفت البطولة أيضًا عن قيمة القوة الناعمة فصورة الجماهير العربية وهي تتبادل الأعلام والابتسامات والعناق، ربما كانت أكثر تأثيرًا في الرأي العام العالمي من عشرات الحملات الإعلامية.
العالم لا يتذكر الشعارات بقدر ما يتذكر الصور والصورة التي خرجت من مدرجات المونديال كانت تقول شيئًا بسيطًا، لكنه عميق:
- هذه الشعوب تعرف كيف تحب بعضها.
- وتعرف كيف تختلف دون أن تتخاصم.
- وتعرف كيف تحول المنافسة إلى مناسبة للتقارب.
من السهل أن نقول إن ما حدث كان مجرد حماس رياضي مؤقت لكن هذا التفسير لا يكفي لأن المشاعر لا تنشأ من الفراغ، بل تخرج من جذور عميقة.
جذور الانتماء العربي لا تزال موجودة
وما رأيناه في كأس العالم كان دليلًا على أن جذور الانتماء العربي لا تزال موجودة، مهما تراكم فوقها غبار السنوات لقد احتاجت فقط إلى لحظة صادقة حتى تظهر من جديد.
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أنها لم تميز بين أحد.
- لم تسأل عن المستوى الاقتصادي.
- ولا عن الموقع الجغرافي.
- ولا عن الخلفيات السياسية.
في المدرجات، كان الجميع متساوين أمام الحلم وهذه المساواة الإنسانية هي واحدة من أعظم الرسائل التي تحملها الرياضة.
بعد انتهاء البطولة، سيعود كل منتخب إلى بلاده، وستعود الجماهير إلى أعمالها ومدارسها وجامعاتها، وستنشغل وسائل الإعلام ببطولات جديدة، لكن هناك سؤالًا سيبقى معلقًا في الذاكرة:
هل نسمح لتلك المشاعر أن ترحل مع صافرة النهاية، أم نجعل منها بداية لشيء أكبر؟
إن الأمم الذكية لا تتعامل مع اللحظات الملهمة باعتبارها ذكريات جميلة فقط، بل باعتبارها فرصًا لفهم نفسها بصورة أفضل.
وكأس العالم منح العرب فرصة نادرة ليروا حقيقتهم بعيدًا عن ضجيج الخلافات.
رأوا أنهم، رغم اختلاف الجغرافيا، ما زالوا يفرحون بالطريقة نفسها وما زالوا يحزنون بالطريقة نفسها وما زالوا يؤمنون، في أعماقهم، بأن نجاح أي عربي هو جزء من نجاحهم وهذا الإدراك وحده مكسب حضاري لا يُقدَّر بنتيجة مباراة، ولا يُقاس بعدد الأهداف.
قد يقول قائل إن تسعين دقيقة لا تستطيع أن تغير واقعًا تشكل عبر عقود وهذا صحيح لكنها تستطيع أن تغير نظرتنا إلى هذا الواقع وتستطيع أن تثبت أن الطريق الذي بدا مستحيلًا ليس مغلقًا كما كنا نظن.
لقد علمنا المستطيل الأخضر أن الشعوب لا تحتاج دائمًا إلى معجزات حتى تلتقي، بل تحتاج إلى مساحة صادقة ترى فيها أفضل ما عندها.
وفي مونديال 2026، وجد العرب تلك المساحة كانت تسعين دقيقة فقط… لكنها أعادت رسم ملامح ذاكرة كاملة، وأيقظت شعورًا ظن كثيرون أنه خفت، وأثبتت أن القلوب، مهما باعدت بينها الخرائط، تستطيع أن تلتقي عندما يكون الحلم أكبر من الحدود.
لذلك، فإن الإنجاز الحقيقي لم يكن في عدد المنتخبات التي تأهلت، ولا في عدد المباريات التي كُسبت، بل في ذلك الدرس الإنساني البسيط الذي كتبته الجماهير دون أن تمسك قلمًا: أن العقود قد تعجز أحيانًا عن بناء ما تستطيع لحظة صدق واحدة أن توقظه في النفوس.
وربما لهذا ستظل تلك التسعون دقيقة، في ذاكرة هذه الأمة، أكثر من زمن مباراة… ستظل شاهدًا على أن الأمل لا يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يولد، بل يحتاج فقط إلى قلوب تؤمن بأن ما يجمعها أكبر بكثير مما يفرقها.
ودائما نقول:
ما يجمع العرب أكبر مما يفرقهم فالهوية العربية لم تمت إنها قادمة
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية




