أراء وقراءات

فاتح أفريقيا الجديد (18) الخذلان… حين يأتي الأذى من حيث لا تتوقع

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في إحدى لقاءاته التلفزيونية، سُئل الدكتور عبد الرحمن السميط عن أصعب ما واجهه خلال رحلته الطويلة في إفريقيا توقع البعض أن يتحدث عن الأمراض، أو المجاعات، أو المخاطر الأمنية التي عاشها في مناطق النزاعات، لكنه فاجأ الجميع بمعنى آخر أكثر وجعًا.

لم يكن يتحدث عن الخطر الذي يأتيك وأنت تعرف مصدره، بل كان يتحدث عن الخذلان عن الاتهامات التي وُجّهت إليه وهو يحاول خدمة الناس وعن التشكيك الذي طاله بعد سنوات من العمل الميداني وعن أولئك الذين لم يروا آلاف الآبار والمدارس والمستشفيات، لكنهم رأوا شائعة فصدّقوها.

ورغم ذلك، لم يدخل في معارك طويلة للدفاع عن نفسه كان يؤمن أن الزمن أعدل من الجدل، وأن الأثر الصادق أبلغ من ألف رد.

هنا تبدأ واحدة من أكثر صفحات تجربته الإنسانية عمقًا.

مرارة الخذلان.. عندما يأتي الأذى من أقرب الناس للفكرة

ليس أصعب ما واجهه عبد الرحمن السميط الفقر، ولا المرض، ولا الطرق الوعرة، ولا الليالي الطويلة التي قضاها متنقلًا بين القرى والأدغال.

الأصعب كان الخذلان فالخذلان لا يأتي من العدو فالعدو مفهوم، وموقفه واضح أما الخذلان فيأتي من حيث لا تتوقع.

يأتي من الذين يفترض أن يفهموا من الذين يفترض أن يساندوا ومن الذين يفترض أن يثقوا.

يأتي أحيانًا من أقرب الناس إلى الفكرة ومن أكثر الناس قدرة على رؤية الحقيقة.

كم مرة شُكِّك في نواياه؟

وكم مرة وُضعت علامات استفهام حول عملٍ كان أثره ظاهرًا للعيان؟

وكم مرة اضطر أن يسمع كلامًا يعلم يقينًا أنه لا يشبه في شيء؟

هذه واحدة من الحقائق التي لا نتحدث عنها كثيرًا في العمل الإنساني فالناس يظنون أن من يعمل للخير سيحصل تلقائيًا على التقدير.

لكن الواقع أكثر تعقيدًا أحيانًا تعمل بإخلاص… فتُساء الظنون بك وأحيانًا تبذل سنوات من عمرك… ثم يأتي من يختصر كل شيء في اتهام عابر وأحيانًا يكون ثمن النجاح نفسه هو زيادة الشكوك.

لأن بعض الناس لا تستطيع أن تصدق أن أحدًا قد يعمل طويلًا دون مصلحة شخصية.

معاناة من نوع مختلف

لهذا كان عبد الرحمن السميط يواجه نوعًا مختلفًا من المعاناة.

معاناة لا تُرى في الصور ولا تُكتب في التقارير ولا تظهر في أرقام الإنجازات.

معاناة أن تُساء قراءة نواياك وأن يصبح الإخلاص نفسه مادة للشك وأن تتحول التضحية إلى سؤال وأن يتحول العطاء إلى اتهام.

الحقيقة أن الناس لا تُجيد دائمًا تصديق العمل الصامت فهي تميل إلى الضجيج وإلى العناوين الكبيرة وإلى الحضور الإعلامي المكثف وإلى الإنجاز الذي يُعرض كل يوم أمام الكاميرات.

أما العمل الطويل الهادئ، الذي يمضي سنوات دون استعراض، فيُربك كثيرين.

  • كيف يمكن لشخص أن يستمر كل هذا الوقت؟
  • كيف يمكن أن يبذل كل هذا الجهد؟
  • كيف يمكن أن يواصل دون أن يطلب شيئًا لنفسه؟

وحين تعجز بعض العقول عن فهم الدافع، تبدأ في اختراع الدوافع.

وهنا يولد الشك.

لكن الخذلان الحقيقي لا يكون في الاتهام نفسه، بل في أثره على النفوس.

حين ترى مشروعًا ناجحًا، لكن الدعم يتراجع وحين ترى عملاً نافعًا، لكن الثقة تهتز، وحين تدرك أن بعض الناس يحكمون على الصورة أكثر مما يحكمون على الحقيقة.

فلسفة الصمت البنّاء.. الاستمرار في العطاء كأقوى رد

ومع ذلك، استمر عبد الرحمن السميط.

لم يدخل في معارك جانبية ولم يجعل حياته سلسلة من الردود ولم يستهلك وقته في مطاردة كل شائعة.

لأنه فهم مبكرًا أن بعض الشكوك لا تُهزم بالكلام، بل بالزمن وأن بعض الاتهامات تسقط وحدها حين تقف أمامها الحقائق.

لقد كان يدرك أن الرد على كل صوت مرتفع قد يجعله ينسى رسالته الأساسية.

لهذا اختار أن يواصل الطريق وأن يركز على الإنسان المحتاج بدلًا من التركيز على خصومه وأن يبني مدرسة جديدة بدلًا من كتابة رد جديد وأن يحفر بئرًا جديدة بدلًا من خوض جدال جديد.

هذا ليس ضعفًا، بل قوة نادرة فالخذلان يُقاس برد الفعل إما أن يكسر الإنسان أو يُنقّيه إما أن يدفعه إلى التراجع أو يدفعه إلى مزيد من الوضوح مع نفسه.

وقد اختار عبد الرحمن السميط الطريق الأصعب.

أن يستمر بنفس الهدوء وبنفس الإيمان وبنفس النية دون أن يسمح للأذى أن يُغيّر قلبه أو يُفسد رسالته.

الأثر الصادق يظل يتحدث نيابة عن صاحبه

لعل من أعظم الدروس التي تتركها لنا سيرة الدكتور عبد الرحمن السميط أن الطريق إلى الخير ليس مفروشًا بالتصفيق كما نتخيل.

أحيانًا تكون المكافأة تأخرًا ويكون الشكر صمتًا ويكون الجزاء اتهامًا.

لكن القيمة الحقيقية لأي عمل لا تُقاس بردود الأفعال حوله، بل بقدر ما يتركه من أثر في حياة الناس.

لقد رحل عبد الرحمن السميط، وبقيت الآبار تنبض بالماء وبقيت المدارس تستقبل الأطفال وبقيت المستشفيات تعالج المرضى.

وبقيت آلاف القصص التي لا يعرفها الإعلام، ولا تُوثقها الكاميرات، شاهدة على أن الخير الصادق لا يحتاج إلى دفاع دائم عن نفسه.

فالزمن قد يُنصف الإنسان أو لا يُنصفه والناس قد يفهمونه أو يسيئون فهمه.

لكن الأثر الصادق يظل يتحدث نيابة عن صاحبه وهذا ربما أجمل ما نتعلمه من سيرته.

أن لا نجعل تقدير الناس شرطًا للعطاء ولا نجعل سوء الفهم سببًا للتراجع ولا نجعل الخذلان نهاية الطريق فمن يعمل للناس سيتأذى من الناس أحيانًا.

أما من يعمل لله، فإنه يمضي في طريقه مطمئنًا، لأن بوصلته لا تتحرك مع المدح ولا تنكسر مع الذم.

وحين ينتهي العمر، لن يبقى ما قيل عنا، بل سيبقى ما تركناه خلفنا.

وسيأتي يوم يرحل فيه الجميع، وتبقى الآثار وحدها تتكلم.

وهناك فقط… يعرف الإنسان إن كان قد عاش لنفسه، أم عاش لشيء أكبر من نفسه وهنا يكمن فلسفة الدكتور عبد الرحمن السميط

              واجعل شعارك

(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)

فكن أنت الفاتح الجديد

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

زر الذهاب إلى الأعلى