فاتح أفريقيا الجديد (22) حين تصبح الأعذار الذكية وسيلة للهروب؟

بقلم أيقونة الاتزان /السفير د. أحمد سمير
في عصرٍ أصبحنا نُجيد فيه تفسير العجز بأدوات لغوية بليغة ومبررات تبدو منطقية، يبرز اسم د. عبد الرحمن السميط كأيقونة كسرت قيود “المستحيل”. في المقال الجديد للسفير د. أحمد سمير ضمن سلسلة “فاتح أفريقيا الجديد (22)”، نكتشف كيف تحولت الأعذار إلى “مسكنات مؤقتة” تبرر التراجع وتقتل المبادرة، وكيف يمكن لسؤال واحد بسيط أن يغير مجرى التاريخ ويصنع الأثر المستدام.
فلسفة الممكن في مواجهة الأعذار الذكية
يروي الدكتور عبد الرحمن السميط أنه في إحدى رحلاته إلى منطقة معزولة، أخبره بعض من حوله أن الوصول إلى بعض القرى يكاد يكون مستحيلًا، وأن تكلفة الوصول إليها كبيرة، وأن الجهد المطلوب يفوق النتائج المتوقعة.
كانت المبررات تبدو منطقية تمامًا، بل ربما لو سمعها أي شخص آخر لاقتنع بها لكن السميط لم يكن ينظر إلى حجم العوائق فقط، بل كان ينظر إلى حجم الحاجة.
لم يكن يسأل: لماذا لا نستطيع؟
بل كان يسأل سؤالًا مختلفًا تمامًا: ماذا نستطيع أن نفعل الآن؟
هنا يكمن الفارق الذي صنع تجربة دكتور عبد الرحمن السميط.
نحن لا نقول غالبًا: لا نريد.
بل نقول: لا نستطيع.
ولا نرفض المسؤولية بشكل مباشر.
بل نؤجلها بحجج تبدو منطقية، ومقنعة، وأحيانًا نبيلة.
نقول إن الظروف صعبة وإن الإمكانات محدودة وإن المشكلات أكبر من الأفراد وإن المسؤولية تقع على المؤسسات وإن الوقت غير مناسب وإن الأولويات مختلفة وإن العالم تغير.
كل هذه الجمل قد تكون صحيحة.
لكن المشكلة ليست في صحتها المشكلة في الطريقة التي نستخدمها بها.
فكم من حقيقة تحولت إلى ذريعة؟
وكم من عذر منطقي أصبح وسيلة أنيقة للهروب من الفعل؟
خطورة “ثوب الحكمة” ومسكنات الضمير
هنا كان عبد الرحمن السميط يُربك هذه اللغة ليس لأنه كان يملك حلولًا سحرية وليس لأنه كان يعيش خارج الواقع.
بل لأنه كان يرفض أن يتحول الواقع إلى مبرر للتوقف وكان يعرف أن العالم معقد ويعرف أن الفقر أعمق من أن يُحل بسهولة ويعرف أيضا أن مشكلات المجتمعات لا تختفي بقرار فردي.
لكنه كان يعرف أيضًا أن الاعتراف بالتعقيد شيء، والاستسلام له شيء آخر تمامًا.
الأعذار ذكية وهذه هي خطورتها فهي لا تأتي غالبًا في صورة كسل أو لامبالاة، بل تأتي مرتدية ثوب الحكمة.
تقول لك“: المشكلة أكبر منا” “الدور على الجهات المختصة “”لن يتغير شيء“
“ما الذي سيفرقه جهدي البسيط؟“
كلها عبارات تبدو عاقلة لكنها كثيرًا ما تنتهي إلى النتيجة نفسها:
لا شيء يحدث ولا أحد يتحرك ولا يتغير الواقع.
العذر لا يحل مشكلة لكنه يمنح صاحبه راحة مؤقتة.
راحة تشبه المسكن الذي يخفف الألم دون أن يعالج المرض.
ومع الوقت، يعتاد الإنسان هذه الراحة ويعتاد تبرير العجز ويعتاد تأجيل المبادرة حتى يصبح التوقف جزءًا من شخصيته.
هنا تبدأ الخسارة الحقيقية لأن الضمير لا يموت فجأة، بل يهدأ تدريجيًا يتوقف عن الإلحاح ويتوقف عن السؤال ويتوقف عن إزعاج صاحبه وهذا أخطر من الفشل نفسه.
السؤال الذي يصنع التغيير الحقيقي
عبد الرحمن السميط لم يكن بطلًا خارقًا ولم يكن يملك قدرات استثنائية تفوق البشر لكنه امتلك شيئًا نادرًا: هو القدرة على البدء.
كان يبدأ من الممكن، لا من المثالي ومن المتاح، لا من الحلم الكامل.
كان يعرف أن انتظار الظروف المثالية قد يستمر إلى الأبد.
وأن كثيرًا من المشاريع العظيمة ماتت لأنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة.
والحقيقة أن اللحظة المناسبة لا تأتي دائمًا، بل تُصنع بالفعل.
لهذا لم يكن يسأل: لماذا لا يمكن؟
بل كان يسأل: ماذا يمكن أن نفعل الآن؟
سؤال صغير في شكله لكن الفارق بينه وبين السؤال الأول يشبه الفارق بين الحركة والجمود.
السؤال الأول يُجمّد أما الثاني فيُحرّك.
الأول يبحث عن حدود القدرة أما الثاني فيبحث عن مساحة الفعل.
الأول ينظر إلى العقبات أما الثاني فيبحث عن الثغرات التي يمكن النفاذ منها.
هكذا تُصنع التغييرات الكبرى ليس بالقفز فوق الواقع، بل بالحركة داخله خطوة بعد خطوة ومشروعًا بعد مشروع وإنسانًا بعد إنسان.
ولعل واحدة من أكبر المشكلات في عصرنا أننا أصبحنا نُجيد تفسير العجز أكثر مما نُجيد مقاومته.
أصبحنا نملك قاموسًا واسعًا من المبررات لكننا نفتقر أحيانًا إلى أبسط أشكال المبادرة نحلل كثيرًا ونناقش كثيرًا ونبرر كثيرًا لكننا نتحرك قليلًا.
لماذا بقي أثر عبد الرحمن السميط حاضرًا بعد رحيله
لهذا بقي أثر عبد الرحمن السميط حاضرًا بعد رحيله ليس لأنه عاش في ظروف أسهل من ظروفنا ولا لأنه واجه تحديات أقل، بل لأنه رفض أن يمنح الأعذار سلطة قيادة حياته.
ففي كل مرة كان يمكن أن يتوقف فيها، اختار أن يتقدم.
وفي كل مرة كان يمكن أن يبرر التأجيل، اختار أن يبدأ.
وفي كل مرة كان يمكن أن يكتفي بالكلام، اختار الفعل.
وهنا يكمن الدرس الأعمق.
فالفرق بين الأشخاص الذين يتركون أثرًا، والأشخاص الذين يكتفون بالمشاهدة، ليس دائمًا في الذكاء أو المال أو النفوذ.
بل كثيرًا ما يكون في عدد الأعذار التي سمحوا لها أن تحكم قراراتهم.
لذلك، حين تجد نفسك اليوم تردد واحدة من تلك العبارات المألوفة: “الوقت غير مناسب”، أو “الإمكانات غير كافية”، أو “المشكلة أكبر مني”، فتوقف قليلًا واسأل نفسك:
هل هذا توصيف للواقع؟
أم تبرير للتراجع؟
هل هذا فهم للمشكلة؟
أم هروب منها؟
ربما لا تستطيع أن تغيّر العالم كله وربما لا تستطيع أن تحل كل الأزمات لكنك تستطيع دائمًا أن تفعل شيئًا، فشيئًا واحدًا، خطوة واحدة، مبادرة واحدة.
ومثلما تبدأ الطرق الطويلة بخطوة، تبدأ التحولات الكبرى بفعل صغير يرفض صاحبه الاستسلام للأعذار.
لقد علّمنا عبد الرحمن السميط أن الأعذار قد تمنحنا راحة مؤقتة، لكنها لا تبني مدرسة، ولا تحفر بئرًا، ولا تطعم جائعًا، ولا تمنح إنسانًا أملًا جديدًا.
أما الفعل، مهما كان متواضعًا، فهو دائمًا بداية طريق.
لهذا فإن السؤال الذي يجب أن نحمله معنا ليس: لماذا لا نستطيع؟
بل: ماذا نستطيع أن نفعل الآن؟
فربما كان هذا السؤال البسيط هو الفارق بين حياة تُستهلك في التبرير، وحياة تترك وراءها أثرًا يبقى طويلًا بعد أن يغيب صاحبها.
واجعل شعارك
(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)
فكن أنت الفاتح الجديد
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية








