أراء وقراءات

فاتح أفريقيا الجديد (29) رحلة الدكتور السميط في جعل الصحة حقاً لا امتيازاً

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

يسلط موقع ( وضوح الإخباري) الضوء على الفلسفة الإنسانية التي قادها الدكتور عبد الرحمن السميط في القارة السمراء، حيث لم يرى الرعاية الصحية مجرد خدمة إضافية أو رفاهية طبية، بل اعتبارها حقاً أصيلاً ومبدأً أساسياً لكرامة الإنسان وبناء المجتمعات.

صفعة مالاوي.. اللحظة التي غيرت مفاهيم العمل الإنساني

في عام 1980، ذهب الدكتور عبد الرحمن السميط إلى مالاوي في أولى رحلاته إلى إفريقيا، وكان يظن أنه يعرف شيئًا عن الفقر والجوع والمرض لكنه عاد وهو يعرف أن ما كان يعرفه لم يكن كافيًا.

في حواره مع برنامج «زيارة خاصة» في 2 يونيو 2007، روى السميط أن تلك الرحلة كانت بالنسبة إليه «صفعة» أيقظته من صورة ذهنية لم تكن تشبه الواقع.

تحدث عن فتاة لم تتجاوز الحادية عشرة من عمرها، كانت تحمل طفلًا، وتعاني في ساقها التهابًا شديدًا يخرج منه الصديد، وقال إن علاجًا بسيطًا كان يمكن أن ينقذها، لكن غياب الدواء جعل المرض يتحول إلى تهديد حقيقي لحياتها.

وروى أيضًا عن طفل كان يسعل دمًا، رغم وجود مستوصف قريب، لكن أسرته لم تكن تريد الذهاب إليه لأن المستوصف كان تابعًا لجهة عرقية، بحسب ما رواه له والده.

ربما في تلك اللحظة فهم السميط أن المرض لا يكون دائمًا أقوى من الإنسان أحيانًا تكون المشكلة أن العلاج هو الأضعف حضورًا.

من هنا بدأت فلسفة الدكتور عبد الرحمن السميط في الملف الصحي في إفريقيا:   أن إنقاذ الإنسان لا يبدأ فقط عندما يصل إليه الدواء، بل عندما يصبح الوصول إلى العلاج حقًا طبيعيًا لا امتيازًا استثنائيًا.

المرض ولماذا يتأخر العلاج ؟

في أماكن كثيرة من العالم، المرض حالة طبية أما في مناطق شديدة الفقر، فقد يتحول المرض إلى حكم مفتوح للمجتمع بالموت صداع بسيط قد يصبح أزمة، جرح صغير قد يتحول إلى عدوى خطيرة، حمى يمكن علاجها قد تصبح سببًا في فقدان طفل، ولادة طبيعية قد تتحول إلى مأساة لأن أقرب مركز صحي بعيد، أو لأن الأسرة لا تملك أجرة الطريق، أو لأن الدواء غير متوفر.

وهنا لا يعود السؤال: ما المرض؟

بل يصبح السؤال الأصعب: لماذا لم يصل العلاج؟

عبد الرحمن السميط، الطبيب قبل أن يكون الداعية ورجل العمل الإنساني، كان يعرف أن المرض لا ينتظر الخطط الطويلة.

الجسد لا يفهم لغة التقارير ولا يعرف معنى الميزانيات المؤجلة ولا يستطيع الطفل المريض أن ينتظر حتى تنتهي الاجتماعات.

الجسد يريد دواء والأم تريد أن ترى طفلها بخير والأب يريد أن يعرف أن مرض طفله البسيط لن يتحول إلى مأساة.

الصحة في قلب التنمية.. رؤية تتجاوز لغة التقارير

لهذا لم ينظر السميط إلى الصحة باعتبارها خدمة إضافية يمكن وضعها في نهاية قائمة الاحتياجات.

كان يعرف أن الصحة تقع في قلب كل مشروع تنموي فالإنسان المريض لا يستطيع أن يعمل كما ينبغي ولا يستطيع الطفل المريض أن يتعلم كما ينبغي ولا تستطيع الأم المنهكة أن تحمل وحدها مسؤولية أسرة كاملة.

وحين يصبح المرض متكررًا، يتحول من مشكلة فردية إلى مشكلة اجتماعية وهنا تصبح الرعاية الصحية جزءًا من معركة أوسع: معركة الإنسان من أجل أن يبقى قادرًا على بناء حياته وخدمة مجتمعه.

كان السميط يرى في إفريقيا أشياء قد لا تظهر في التقارير:

  • كان يرى المسافة بين القرية والمستوصف.
  • ويرى الأم التي تتردد في طلب العلاج لأنها لا تملك ثمنه.
  • ويرى الطفل الذي اعتاد الألم حتى أصبح الألم جزءًا من يومه.
  • ويرى المريض الذي يمكن علاجه بسهولة لو وصل إليه الطبيب في الوقت المناسب.

أكثر صور الفقر قسوة

 

هنا تظهر واحدة من أكثر صور الفقر قسوة أن يكون العلاج موجودًا في العالم، لكنه غير موجود بالنسبة إليك فالدواء قد يكون رخيصًا في مكان ما لكن بالنسبة إلى أسرة لا تملك قوت يومها، قد يصبح ثمنه مرتفعًا إلى درجة يستحيل معها الحصول عليه.

والطبيب قد يكون موجودًا في المدينة لكن بالنسبة إلى قرية نائية، قد تفصل بين المريض وبينه ساعات طويلة من الطرق الوعرة.

وهنا يتحول الموقع الجغرافي إلى قدر ويتحول الفقر إلى حاجز أمام العلاج ويصبح المرض أكثر قسوة لأنه وجد بيئة تساعده على الاستمرار.

لهذا كان إنشاء المستوصفات والقوافل الطبية جزءًا مهمًا من العمل الذي ارتبط بتجربة السميط ومؤسساته في إفريقيا.

لكن الأهم من عدد المباني هو الفكرة التي كانت خلفها فلم يكن الهدف أن نقول: لقد بنينا مستوصفًا.

بل أن يصبح السؤال: كم إنسانًا أصبح قادرًا على الوصول إلى العلاج؟

وهذا فرق كبير.

  • فالمبنى ليس إنجازًا إذا بقي بعيدًا عن الناس.
  • والدواء ليس حلًا إذا لم يصل إلى المريض.
  • والطبيب لا يستطيع أن يعالج من لا يستطيع الوصول إليه.

الصحة الحقيقية منظومة كاملة

لذلك فإن الصحة الحقيقية ليست مجرد مستشفى أو عيادة إنها منظومة كاملة تبدأ من الوقاية، وتمر بالتوعية، وتصل إلى التشخيص والعلاج والمتابعة.

وهنا نفهم شيئًا مهمًا في شخصية عبد الرحمن السميط الطبيب قبل أن يكون داعية، كان يرى الإنسان قبل المشروع:

  • كان يعرف أن وراء كل رقم جسدًا.
  • ووراء كل حالة مرضية أسرة.
  • ووراء كل وفاة مبكرة قصة لم تكتمل.

لهذا لم يكن يتعامل مع الفقر بوصفه رقمًا في تقرير.

كان يراه في وجه إنسان وهذا ما يجعل العمل الإنساني مختلفًا حين ترى رقمًا، يمكنك أن تنساه لكن حين ترى طفلًا يتألم أمامك، يصبح من الصعب أن تعود إلى حياتك وكأن شيئًا لم يحدث.

ربما لهذا قال السميط في روايته عن رحلته الأولى إلى مالاوي إن ما رآه كان «صفعة» أيقظته فالإنسان قد يسمع ألف تقرير عن الفقر لكن مشهدًا واحدًا يمكن أن يغير حياته كلها.

الإهمال أخطر من المرض

والأكثر إيلامًا أن بعض الأمراض لم تكن تحتاج إلى معجزات كانت تحتاج فقط إلى فرصة دواء في الوقت المناسب، طبيبًا يصل في الوقت المناسب، مستوصفًا قريبًا، ماءً نظيفًا، تطعيمًا، توعية أو طريقًا يمكن أن تسلكه الأسرة للوصول إلى المستشفى.

وهنا يصبح الإهمال أخطر من المرض نفسه لأن المرض قد يكون خارج إرادتنا أما ترك الإنسان دون فرصة للعلاج، فليس دائمًا أمرًا لا نستطيع تغييره ومن هنا تأتي المسؤولية الأخلاقية.

الصحة ليست ملفًا طبيًا فقط إنها ملف إنساني حين تمنح طفلًا العلاج، فأنت لا تعالج جسده فقط أنت تعطيه فرصة للعودة إلى المدرسة.

وحين تعالج الأم، فأنت لا تنقذ فردًا فقط، بل تحمي أسرة كاملة من الانهيار.               وحين تمنع مرضًا يمكن الوقاية منه، فأنت لا توفر دواءً فحسب، بل توفر سنوات من الحياة.

الكرامة والعدالة.. الأثر الباقي لفاتح إفريقيا الجديد

هنا يصبح الاستثمار في الصحة استثمارًا في المستقبل.

فالمجتمع الذي يموت فيه الناس من أمراض يمكن علاجها لا يخسر أرواحًا فقط يخسر عقولًا وأيدي عاملة وأطفالًا كان يمكن أن يصبحوا أطباء ومعلمين ومهندسين وقادة مجتمع لهذا فإن الصحة ليست تكلفة على التنمية الصحة هي أحد شروط التنمية.

عبد الرحمن السميط لم يكن يتحدث عن الكرامة باعتبارها كلمة جميلة كان يعرف أن الكرامة تبدأ أحيانًا من أبسط الأشياء.

  • أن يجد المريض من يفحصه.
  • أن يجد الطفل من يعطيه الدواء.
  • أن تجد المرأة مكانًا آمنًا تلد فيه.
  • أن لا يضطر الإنسان إلى الاختيار بين الطعام والدواء.
  • أن لا يموت شخص لأن أقرب طبيب يبعد عنه عشرات الكيلومترات.
  • أن لا يصبح الفقر سببًا في حرمان الإنسان من حقه في الحياة.

هذه ليست رفاهية هذه هي أبسط صور العدالة.

لذا في تجربة السميط، كانت الصحة من أهم وسائل بناء الثقة.

فحين يرى الإنسان من يمد يده إليه وهو مريض، دون أن يسأله أولًا عن قدرته المالية أو مكانته الاجتماعية، فإنه يتعلم أن الإنسانية يمكن أن تكون فعلًا لا شعارًا.

وهنا كان السميط يترك أثرًا يتجاوز الدواء كان يقول بالفعل: ألمك يهمني.

وهذه الجملة، وإن لم تُقل بالكلمات، قد تكون أحيانًا أعظم من ألف خطاب.

فالإنسان الذي عاش طويلًا على الهامش يحتاج إلى أكثر من علاج جسدي يحتاج إلى أن يشعر بأنه مرئي وأن حياته ليست هامشًا في كتاب العالم وأن مرضه ليس أمرًا عاديًا لأن حياته ليست عادية.

لقد كان عبد الرحمن السميط يعرف أن الطبيب يستطيع أن يعالج مرضًا، لكن الإنسان يستطيع أن يساعد في علاج بيئة كاملة تنتج المرض.

القواعد الذهبية لتجربة السميط في أفريقيا 

لهذا لم تكن تجربته قائمة على الطب وحده ارتبطت بالماء والغذاء والتعليم والتنمية والبنية الاجتماعية لأن الإنسان لا يعيش داخل عيادة إنه يعيش داخل مجتمع:

  • وحين يتحسن الماء، تتحسن الصحة.
  • وحين يتحسن التعليم، تتحسن الوقاية.
  • وحين تتحسن الظروف الاقتصادية، يصبح الوصول إلى العلاج ممكنًا.
  • وحين تُبنى الطرق والخدمات، تقل المسافة بين المريض والطبيب.

هكذا تتحول التنمية إلى شبكة تحمي الإنسان من السقوط.

ولعل أعظم ما يمكن أن نتعلمه من تجربة السميط أن العمل الصحي الحقيقي لا ينتظر أن يصبح المرض مأساة حتى يتحرك.

بل يبدأ قبل المرض يمنع ويوعي ويحمي ويقترب من الناس فليس الإنجاز أن نعالج ألف مريض فقط الإنجاز الأكبر أن نمنع مرضًا عن ألف إنسان.

وليس النجاح أن نصل إلى المريض بعد أن ينهار، بل أن نصل إليه قبل أن يصل المرض إلى تلك المرحلة.

العلاج حق للجميع

 

هنا يصبح الطب رحمة، والتنمية وقاية، والعمل الإنساني مسؤولية.

لكن السؤال الذي تركته تجربة السميط أمامنا أكبر من إفريقيا نفسها: هل نؤمن فعلًا بأن العلاج حق للجميع؟

أم أننا ما زلنا نعيش في عالم يستطيع فيه الغني أن يشتري الوقت، بينما يُطلب من الفقير أن ينتظر؟

هل يمكن أن نتحدث عن العدالة ونحن نعرف أن هناك طفلًا قد يموت من مرض كان يمكن علاجه؟

هل يمكن أن نتحدث عن كرامة الإنسان بينما يضطر مريض إلى السير ساعات بحثًا عن دواء؟

وهل يكفي أن نقول إن العالم تطور، إذا كان هذا التطور لم يصل إلى الإنسان الذي يحتاجه أكثر؟

هذه الأسئلة لا تخص إفريقيا وحدها إنها تخص ضمير العالم كله.

في النهاية، المرض لا يسأل الإنسان عن جنسيته ولا عن دينه ولا عن ثروته ولا عن عدد ما يملك من متابعين.

حين يتألم الجسد، يصبح الإنسان إنسانًا فقط ولهذا فإن العلاج حين يصل إلى المحتاج لا يكون مجرد دواء إنه رسالة.

رسالة تقول: ما زلت مهمًا وحياتك تستحق أن تُنقذ وألمك ليس أمرًا عاديًا ولست وحدك.

وهنا ربما تكمن أعظم رسالة تركها عبد الرحمن السميط خلفه: أن إنقاذ الإنسان لا يبدأ عندما نملك كل شيء، بل عندما نرفض أن نتركه وحده أمام الألم.

فقد لا نستطيع أن نبني مستشفى في كل قرية، ولا أن نصل إلى كل مريض، ولا أن نغيّر العالم في يوم واحد لكننا نستطيع أن نمد يدًا:

  • أن نوصل دواءً.
  • أن ندعم طبيبًا.
  • أن نبني مركزًا صحيًا.
  • أن نعلّم أمًا كيف تحمي طفلها.
  • أن نمنح إنسانًا فرصة أخرى للحياة.

لأن الحياة لا تحتاج دائمًا إلى معجزة أحيانًا تحتاج فقط إلى إنسان قرر ألا يمرّ بجوار الألم وكأنه لا يراه.

وهكذا يصبح العلاج أكثر من دواء… يصبح موقفًا من الإنسان ومن المجتمع.

وحين يصبح إنقاذ المريض واجبًا لا فضلًا، وحين تصبح الصحة حقًا لا امتيازًا، نكون قد بدأنا نفهم الرسالة التي عاش عبد الرحمن السميط من أجلها: أن كرامة الإنسان تبدأ من حقه في أن يتألم دون أن يُترك وحيدًا… وأن يُعالج دون أن يسأل أحد أولًا: ماذا تملك؟

ففي النهاية، قد تنسى الأمم أسماء كثير من الذين مرّوا على الأرض

لكنها لا تنسى من جاء إليها في لحظة ضعف، وانحنى فوق جرحها، وقال لها بالفعل لا بالكلام: أنت تستحق أن تعيش.

واجعل شعارك

(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)

فكن أنت الفاتح الجديد

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى