أراء وقراءات

فاتح أفريقيا الجديد (32) القيادة الهادئة… حين يكون التأثير بلا ضجيج

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

إن مفهوم القيادة الحقيقية لا يرتبط بالصوت المرتفع أو إصدار الأوامر الصارمة، بل يكمن في التأثير المستدام والعميق الذي لا يحتاج إلى ضجيج لإثبات حضوره، وفي سياق سلسلة مقالات بعنوان ( فاتح أفريقيا الجديد )التي ينشرها الدكتور أحمد سميرفي جريدة وموقع ( وضوح الإخباري) نستعرض تفاصيل هذه الفلسفة القيادية الملهمة مستندين إلى مسيرة رمز العطاء الإنساني الدكتور عبد الرحمن السميط رحمه الله.

قادة بلا منصات ولا ضجيج

ليس كل قائدٍ يحتاج إلى منصة ولا كل تأثير يحتاج إلى صوت مرتفع ولا كل إنجاز عظيم يبدأ بأوامر صارمة، أو قرارات تُقال بنبرة حادة، أو شخصية تدخل المكان فتجعل الجميع يلتزم الصمت.

لقد اعتدنا، عبر سنوات طويلة، أن نربط القيادة بصورة واحدة تقريبًا: رجل يتحدث كثيرًا، يصدر الأوامر، يتخذ القرار وحده، يظهر في مقدمة الصورة، ويُشعر الجميع بأن كل شيء يبدأ منه وينتهي عنده.

لكن الحياة، بكل تجاربها، تُخبرنا أن هذه ليست الصورة الوحيدة للقيادة، بل إن بعض القادة الحقيقيين يمرون في حياتنا بهدوء، فلا يرفعون أصواتهم كثيرًا، ولا يصنعون حول أنفسهم هالة كبيرة، ولا ينشغلون بإثبات أنهم القادة.

ومع ذلك، حين ينظر الناس إلى ما تركوه خلفهم، يكتشفون أن أثرهم كان أكبر بكثير من أصحاب الضجيج.

من هؤلاء كان الدكتور عبد الرحمن السميط رحمه الله.

لم يكن بحاجة إلى أن يصرخ ليقود ولم يكن بحاجة إلى أن يحتل المشهد ليؤثر كان يعرف أن القيادة ليست أن تجعل الجميع ينظرون إليك، بل أن تجعلَ الجميعَ يرَون الطريقَ نفسه الذي سلكتَه، والفكرةَ التي آمنتَ بها..

الجذور الأولى للقيادة: البدايات قبل إفريقيا

قبل أن يعرفه الناس طبيبًا وداعية ورجلًا كرّس سنوات طويلة من حياته للعمل الإنساني في إفريقيا، كانت هناك قصة صغيرة حدثت في سنوات شبابه، قصة بسيطة في شكلها لكنها تكشف شيئًا كبيرًا في شخصيته.

يروي عبد الرحمن السميط في إحدى مقابلاته أنه مع مجموعة من زملائه في المرحلة الثانوية جمعوا المال واشتروا سيارة قديمة، كان هدفهم أن يستخدموها لنَقْلُ العُمَّالِ الَّذِينَ طَالَ انْتِظَارُهُمْ لِوَسَائِلِ المُوَاصَلَاتِ فِي الحَرِّ الشَّدِيد في دولة مثل الكويت، وإيصالهم مجانًا إلى أماكنهم.

لم يكن هناك مشروع ضخم ولا مؤسسة كبيرة ولا ميزانية ضخمة ولا كاميرات فقط مجموعة من الشباب رأوه مشكلة أمامهم وقرروا أن يتحركوا من أجلها هنا يظهر شيء مهم جدًا.

السميط لم يكن ينتظر أن يصبح شخصًا مشهورًا حتى يقود ولم ينتظر منصبًا حتى يؤثر ولم يقل: من أنا حتى أستطيع أن أفعل شيئًا؟

بل بدأ مع الآخرين بما يستطيعون وهذا واحد من أهم أسرار القيادة الحقيقية: القائد لا يبحث دائمًا عن أشخاص يعملون من أجله، بل يبحث عن أشخاص يؤمنون معه بما يجب أن يُنجز.

كان يمكن أن يكون هو صاحب الفكرة، ثم يحتفظ لنفسه بالدور كله              

وكان يمكن أن يقول: أنا سأفعل أنا سأقرر أنا سأقود.

لكن القصة نفسها بدأت بمجموعة من الشباب جمعوا المال واشتروا السيارة وتحمّلوا مسؤولية تشغيلها.

هكذا، منذ البداية، كان هناك درس صغير سيكبر لاحقًا حتى يصبح فلسفة كاملة في العمل: لا تصنع الخير وحدك إذا كنت تستطيع أن تجعل الآخرين شركاء فيه.

القيادة ليست صوتًا مرتفعًا

نحن أحيانًا نخلط بين القوة والضجيج نعتقد أن الشخص الأكثر حديثًا هو الأكثر معرفة وأن الشخص الذي يفرض رأيه هو الأكثر قدرة وأن القائد الحقيقي هو الذي لا يسمح لأحد بمناقشته.

لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك فالصوت المرتفع قد يفرض الصمت لكنه لا يصنع الاقتناع والأوامر قد تجعل الناس يتحركون لكنها لا تجعلهم يؤمنون.

أما القيادة الحقيقية، فهي شيء مختلف تمامًا هي أن تجعل الإنسان يفهم لماذا يعمل لا أن تجعله يعمل فقط لأنه خائف من العقاب.

لذا، فإن القيادة الحقيقية تكمن في جعل الفريق يشعر بأن له قيمة، لا في إشعاره بأنه مجرد مجموعة من الأشخاص ينفذون ما يريده شخص واحد.

وهذا ما يجعل القيادة الهادئة أصعب من القيادة الصاخبة لأن الصراخ سهل والأمر سهل والسيطرة سهلة أحيانًا لكن الأصعب هو أن تقنع وأن تسمع وأن تتحمل اختلاف الآخرين وأن تمنحهم مساحة للتفكير وأن تقبل أن تكون الفكرة الجيدة من شخص آخر.

عبد الرحمن السميط لم يكن قائدًا يجلس بعيدًا عن الواقع ثم يطلب من الآخرين تنفيذ رؤيته.

تجربته كلها كانت قائمة على الاقتراب من الناس من القرى ومن المرضى ومن الأطفال ومن العاملين ومن المجتمعات التي أراد مساعدتها.

وقد تحدث السميط عن أهمية العمل المؤسسي والعلمي، وعن أن معالجة مشكلات المجتمعات لا ينبغي أن تبقى مجرد استجابة فردية لحالة واحدة، بل يجب أن تتحول إلى بناء مؤسسات تعليمية وصحية واجتماعية وإغاثية تستطيع الاستمرار.

القيادة الحقيقية

هنا تظهر القيادة الحقيقية.

ليس في أن تقول للناس: افعلوا.

بل في أن تساعدهم على أن يعرفوا: لماذا يفعلوا؟

فالقائد الحقيقي هو الذي يسمع أكثر مما يتكلم فكثير من القادة يدخلون إلى أي مكان وهم يحملون الإجابات كلها:

  • قبل أن يسمعوا المشكلة، يعرفون الحل.
  • وقبل أن يعرفوا الناس، يعرفون ما يحتاجون إليه.
  • وقبل أن يفهموا الواقع، يبدأون في إعطاء التعليمات.

لكن عبد الرحمن السميط اختار طريقًا مختلفًا لقد عاش سنوات طويلة وسط مجتمعات لا تشبه المجتمع الذي جاء منه.

  • بلدان مختلفة.
  • وثقافات مختلفة.
  • ولغات مختلفة.
  • وظروف اجتماعية واقتصادية شديدة التعقيد.

وكان من السهلِ عليه أن يأتيَ إلى إفريقيا وهو يحملُ تصوراً جاهزاً ويقول: نحن نعرف ما تحتاجون إليه لكن التجربة الإنسانية الحقيقية لا تبدأ بهذا السؤال بل تبدأ بسؤال آخر: ماذا تحتاجون أنتم؟

وهذا فارق كبير.

لأن القيادة المتعالية تقول: أنا أعرف.

أما القيادة الهادئة فتقول: دعني أفهم.

والإنسان حين يشعر أنك تستمع إليه، يصبح أكثر استعدادًا لأن يثق بك وحين يشعر أنك تحترم تجربته، يصبح أكثر استعدادًا لأن يعمل معك.

لهذا فإن القائد الحقيقي

  • لا يخاف من الأسئلة.
  • ولا يخاف من اختلاف الآراء.
  • ولا يشعر أن رأيًا مخالفًا له يمثل تهديدًا لسلطته.

لأن القائد الواثق من نفسه لا يحتاج إلى أن يكون الوحيد الذي يتحدث.                       

لإنه يعرف أن الفريق الذي لا يتحدث، لن يستطيع أن يفكر.                            والفريق الذي لا يفكر، لن يستطيع أن يستمر.

فالناس لا تعمل جيدًا حين تخاف… بل حين تُحترم

  • يمكنك أن تجعل الناس يعملون بالخوف لكن لا يمكنك أن تجعلهم يحبون العمل بالخوف.
  • يمكنك أن تجعل الموظف ينجز المهمة لأنك تراقبه لكن ماذا سيحدث حين تدير ظهرك؟
  • يمكنك أن تجعل الفريق يلتزم لأنك حاضر لكن ماذا سيحدث حين تغيب؟

هنا يظهرُ الفرقُ الحقيقيُّ بينَ قيادةِ “الأناوقيادةِ “نحن

  • قيادةِ “الأناتستطيع أن تضبط الحضور.
  • لكن قيادةِ “نحنتصنع المسؤولية.

لهذا فإن أعظم قائد ليس الذي يجعل الجميع ينتظرون أوامره، بل الذي يجعل الجميع يعرفون مسؤولياتهم.

عبد الرحمن السميط فهم هذه الحقيقة مبكرًا.

لهذا لم يكن مشروعه مجرد مجهود فردي، مهما كانت مكانته الشخصية فيه فالعمل الذي بدأ محدودًا تطور إلى عمل مؤسسي واسع، امتد إلى مجالات متعددة مثل التعليم والصحة والمياه والتنمية والإغاثة، واستمر من خلال مؤسسة ومنظومة عمل، لا من خلال حضور فرد واحد فقط..

درس قيادي عظيم

وهذا في حد ذاته درس قيادي عظيم.

القائد الذي يحتكر كل شيء قد يبدو قويًا، لكنه في الحقيقة يجعل المؤسسة ضعيفة:

  • لأن المؤسسة التي لا تستطيع اتخاذ قرار دون مؤسسها ليست مؤسسة مستقلة.
  • والمشروع الذي يتوقف كلما غاب صاحبه ليس مشروعًا مكتملًا.
  • والفريق الذي ينتظر دائمًا شخصًا واحدًا ليفكر عنه، لن يصبح فريقًا سيظل مجرد تابعين.

القيادة الهادئة لا تلغي الآخرين

  • بعض القادة يحبون النجاح لكنهم يحبون أن يُقال إن النجاح صنعوه وحدهم أكثر.
  • يحبون الفريق طالما بقي الفريق في الخلف.
  • ويحبون التعاون طالما بقي الاسم في المقدمة.

لكن عبد الرحمن السميط قدّم نموذجًا مختلفًا فهو لم يكن يعمل في فراغ كانت هناك مؤسسات ومتطوعون وعاملون وداعمون وكوادر ميدانية وأشخاص يعيشون داخل المجتمعات نفسها.

وهذا أمر مهم جدًا لأن القائد الحقيقي لا يرى نجاح الآخرين تهديدًا له، بل يراه نجاحًا للفكرة فالقيادة الهادئة لا تُلغي الآخرين، بل تُظهرهم.

لا تقول: انظروا ماذا فعلت.

بل تقول: انظروا ماذا استطعنا أن نفعل.

والفرق بين الكلمتين صغير لكنه في الحقيقة يصنع عالمين مختلفين.

لهذا كانت تجربة السميط أكبر من فكر شخص واحد فقد تحولت الفكرة إلى منظومة وتحول الحماس إلى مؤسسات وتحول العمل المؤقت إلى مسيرة طويلة.

توزيع المسؤولية… لا توزيع الأوامر

هناك فرق بين قائد يوزع المهام، وقائد يوزع المسؤولية.

الأول يقول: أنت افعل هذا، وأنت افعل ذلك، ثم يحتفظ هو بكل القرارات المهمة.

أما الثاني: فيمنح الناس مساحة، ويعطيهم الثقة، ويسمح لهم بالنمو.

وهذا أصعب، لأن الثقة فيها مخاطرة وحين تمنح إنسانًا مسؤولية، قد يخطئ وهذه خسارة.

لكن ماذا يحدث إذا لم تمنحه فرصة؟

سيبقى ضعيفاً وسيظلُّ ينتظرُ مَن يقودُه، وبذلك تخسرُ قائداً في المستقبلِ يمكنُ أن يحقّقَ إنجازاً المجتمعُ بحاجةٍ إليه.

السميط كان يعرف أن العمل في قارة واسعة ومتنوعة لا يمكن أن يقوم على عقل شخص واحد فمهما كانت خبرة الإنسان، ومهما كان إخلاصه، لا يستطيع أن يكون حاضرًا في كل مكان.

لهذا يحتاج الانجاز الحقيقي إلى فرق، وكوادر، ومؤسسات، وإلى أشخاص يفهمون الفكرة ويستطيعون اتخاذ القرار ولا يعتمدون على إدارة العمل بالعشوائية أو الاكتفاء بالحماس وحده.

وهنا نتعلم شيئًا مهمًا: القيادة ليست أن تجعل الجميع يحتاجون إليك، بل أن تجعلهم قادرين على العمل معًا.

حين يصبح النجاح مشتركًا

من أصعب الاختبارات التي يواجهها القائد:

  • ماذا يفعل حين ينجح الفريق؟
  • هل يقول: أنا نجحت؟
  • أم يقول: نجحنا؟

النجاح مغرٍ والتصفيق مغرٍ والإنسان يحب بطبيعته أن يشعر بأنه السبب.

لكن القيادة الهادئة تحتاج إلى قدر كبير من التواضع وأن تعرف أنك مهما فعلت، لم تفعل كل شيء وأن وراء كل إنجاز أشخاصًا ربما لم يعرف أحد أسماءهم.

  • هناك من جمع المال.
  • ومن حمل المعدات.
  • ومن سافر.
  • ومن بقي في القرية.
  • ومن درّس الأطفال.
  • ومن عالج المرضى.
  • ومن تابع المشروع بعد انتهاء الزيارة.
  • ومن عمل في ظروف لم يعرف عنها العالم شيئًا.

فالقائد الحقيقي يعرف هؤلاء ويعرف أن النجاح ليس ملكًا له وحده.

لهذا لا يحتكر الصورة ولا يحتكر الإنجاز ولا يسرق جهد الآخرين باسم القيادة، بل يمنحهم حقهم لأن احترام الفريق ليس مجاملة إنه جزء من نجاح العمل.

كم من مشروع انهار لأن صاحبه أراد أن يكون: المدير والمفكر، وصاحب القرار، والمتحدث، والمحاسب، والمخطط، والمنفذ والوجه الإعلامي والشخص الذي لا يمكن الاستغناء عنه.

في البداية، قد يبدو ذلك بطولة لكن مع الوقت يصبح عبئًا لأن الإنسان يتعب ويمرض ويسافر ويغيب وقد يرحل.

فماذا يحدث بعد ذلك؟

إذا كانت كل الخيوط في يد شخص واحد، فسوف يتوقف كل شيء عندما تغيب اليد لهذا فإن القيادة الهادئة تتطلب تواضعًا نادرًا: أن تقبل أن هناك من يستطيع أن يفعل بعض الأشياء أفضل منك وأن تسمح له بذلك وأن تفرح عندما يصبح قادرًا على الاستمرار دونك.

فالقائد الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد الذين يتبعونه، بل بعدد الذين يستطيعون الاستمرار عندما يغيب وهذا أحد أعظم الاختبارات.

تجربة عبد الرحمن السميط تقدم إجابة واضحة

لقد رحل الرجل في عام 2013، لكن المؤسسة التي ارتبطت بمسيرته لم تختفِ برحيله، واستمر العمل المؤسسي من بعده وهذا، ليس مجرد نجاح إداري، بل شهادة على أن الرجل ساهم في بناء فكرة ومؤسسة تتجاوز عمر الأفراد.

وهنا تظهر القيادة الهادئة في أجمل صورها.

  • أن تزرع شجرة ثم تقبل أن يستظل بها أناس لن تعرف أسماءهم.
  • أن تبني مؤسسة ثم تقبل أن يأتي من بعدك من يقودها.
  • أن تعطي الفكرة للآخرين ثم لا تغضب عندما تصبح أكبر منك.

هذا هو القائد الحقيقي لا يريد أن يكون آخر الطريق، بل يريد أن يكون بدايته.

لذا عبد الرحمن السميط ينتمي إلى مدرسة مختلفة مدرسة تقول إن الأثر أهم من الضجيج وأن الإنسان أهم من الصورة وأن استمرار العمل أهم من الاحتفال به.

وهذا لا يعني أن الظهور خطأ ولا أن الإعلام غير مهم لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الظهور هو الهدف وحين نعمل لكي يُقال إننا نعمل وحين نخدم لكي نُرى وحين تصبح الصورة أهم من الإنسان الموجود داخلها.

لهذا أعجبتني فكرة القيادة في تجربة السميط.

لم تكن القيادة عنده مجرد سلطة، بل مسؤولية والمسؤولية لا تحتاج إلى استعراض، بل تحتاج إلى صبر وتحتاج إلى القدرة على تحمل أخطاء الآخرين وتحتاج إلى فهم أن الناس ليسوا آلات فكل إنسان له ظروفه وقدراته ونقاط ضعفه وطريقته الخاصة في التعلم.

والقائد الذي يكسر الناس ليجعلهم يعملون، قد يحصل على نتائج سريعة لكنه يخسر الإنسان.

أما القائد الحقيقي، فهو يعرف أن الإنسان ليس أداة للوصول إلى الهدف، بل هو جزء من الهدف نفسه.

لهذا يمكن أن نقول إن عبد الرحمن السميط قاد كما يُصلح الإنسان الأشياء الثمينة: بهدوء وبصبر وبعناية وبلا كسر.

ماذا نتعلم من القيادة الهادئة؟

ربما لا نملك جميعًا مؤسسات كبيرة ولا فرقًا ضخمة ولا مشاريع تمتد عبر القارات لكن كل واحد منا يقود في مكان ما.

  • الأب يقود أسرته.
  • والأم تقود أبناءها.
  • والمعلم يقود طلابه.
  • والمدير يقود فريقه.
  • والصديق قد يقود صديقه.
  • والكاتب يقود بفكرته.

وكل واحد منا يملك مساحة صغيرة من التأثير.

والسؤال ليس: هل أنا قائد؟                  بل: كيف أقود؟

  • هل أجعل من حولي يخافون مني؟ أم يثقون بي؟
  • هل أحتكر القرار؟ أم أشارك الآخرين؟
  • هل أريد أن أكون في مقدمة كل صورة؟
  • أم أريد أن ينجح العمل، حتى لو لم يعرف أحد اسمي؟
  • هل أبني أشخاصًا؟
  • أم أبني اعتمادهم الكامل عليّ؟

هذه الأسئلة هي التي تصنع الفرق لأن القيادة ليست لقبًا يُكتب أمام الاسم إنها أثر يتركه الإنسان في الآخرين.

وقد يكون أخطر قائد هو الذي يملأ المكان بحضوره، ثم يتركه فارغًا عندما يرحل.

أما القائد الحقيقي، فهو الذي

  • يغيب جسده، لكن تبقى الفكرة تتحرك.
  • يغيب صوته، لكن يبقى أثر كلماته.
  • يغيب عن المكان، لكن الذين عمل معهم يعرفون ماذا يفعلون.

وهذا هو النجاح الذي لا تصنعه الأضواء.

حين يكون القائد آخر من يبحث عن نفسه

رحل عبد الرحمن السميط بعد أن قضى سنوات طويلة بين طرق إفريقيا الوعرة، وقراها البعيدة، وأطفالها الذين لم يعرف كثير منهم معنى أن تكون الحياة سهلة.

لكن السؤال اليوم ليس: أين عبد الرحمن السميط؟

لأن الإجابة موجودة في أماكن كثيرة.

  • في مدرسة يتعلم فيها طفل.
  • وفي بئر يشرب منه إنسان.
  • وفي مركز صحي يخفف ألم مريض.
  • وفي مؤسسة تستمر في العمل.
  • وفي إنسان تعلّم أن الخير لا يحتاج إلى ضجيج.

ربما لم يكن أعظم ما فعله السميط أنه قاد آلاف الناس، بل أنه ساعد على صناعة أشخاص قادرين على حمل المسؤولية.

لم يكن يريد أن يقف الجميع خلفه إلى الأبد كان يريد أن يقفوا معه ثم أن يقفوا بعده.

وهذا هو الفرق بين قائد يريد الأتباع، وقائد يريد استمرار الفكرة.

لقد علّمنا أن الصوت المرتفع لا يصنع دائمًا أثرًا عظيمًا.

وأن الهدوء ليس ضعفًا

وأن التواضع ليس غيابًا.

وأن القائد الحقيقي لا يحتاج في كل لحظة إلى أن يقول: أنا هنا.

لأن ما صنعه من أثر يقولها بدلًا عنه فربما لا يتذكر الناس كل الكلمات التي قلتها ولا عدد الأوامر التي أصدرتها ولا حجم المكان الذي كنت تجلس فيه.

لكنهم سيتذكرون شيئًا واحدًا: كيف جعلتهم يشعرون بقدرتهم على الاستمرار.

وهنا تكمن أعظم القيادة

أن تمر في حياة الناس فلا تجعلهم نسخة منك، بل تجعلهم أفضل مما كانوا وأن تمنحهم الثقة بدل الخوف والمساحة بدل السيطرة والفكرة بدل التبعية وأن تترك خلفك أشخاصًا لا يقفون عند غيابك، بل يكملون الطريق.

هكذا كان عبد الرحمن السميط لم يكن الأعلى صوتًا لكنه كان من أولئك الذين إذا مرّوا في الحياة لم يتركوا وراءهم ضجيجًا، بل تركوا طريقًا.

ولم يتركوا وراءهم أتباعًا ينتظرون عودتهم، بل تركوا أناسًا يعرفون كيف يكملون.

وهذا هو أجمل ما يمكن أن يتركه القائد خلفه:

ألا يكون غيابه نهاية الحكاية… بل بداية لقدرة الآخرين على مواصلة كتابتها بلا نهاية

واجعل شعارك

(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)

فكن أنت الفاتح الجديد

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى