أراء وقراءات

قانون الاحوال الشخصية ..حين يدفع الطفل ثمن الخلاف بين والديه

بقلم: د. أيمن الدهشان*

في كل مرة نفتح فيها ملف الأحوال الشخصية، نظن أننا أمام نصوص قانونية تُناقش وتُعدّل…
لكن الحقيقة الأعمق أننا أمام إنسان، أمام أسرة، أمام طفل يحاول أن يفهم لماذا تغيّر عالمه فجأة ، ولدينا بعض الاحصائيات ان كل ٣ حالات زواج حالة حالة طلاق وهذا أمر سيدمر الاسرة .
فالطفل لا يدرك لماذا أصبح والده “زائرًا”، ولا يفهم لماذا تعيش أمه تحت ضغط وصراع دائم…
هو لا يحتاج إلى مواد قانونية، بل إلى شعور بالأمان.

حين تتحول الأزمات إلى رسائل

ما نشهده اليوم لم يعد مجرد حالات فردية، بل مؤشرات واضحة على خلل أعمق داخل بنية الأسرة.
الأزمات النفسية لا تأتي فجأة، بل تُبنى طبقة فوق طبقة من الضغوط:
-ضغوط نفسية…
-ضغوط اجتماعية…
-ضغوط اقتصادية تتزايد يومًا بعد يوم.

 الضغوط الاقتصادية… العامل الصامت

لا يمكن أن نفصل الخلافات الأسرية عن الواقع الاقتصادي.
فغلاء المعيشة، وعدم استقرار الدخل، وضغوط العمل… كلها عوامل تضغط على العلاقة حتى تختنق.

حين يضيق الرزق: تضيق مساحات الحوار، تزداد حدة الخلاف، وتتحول أبسط الأمور إلى أزمات كبيرة.

الإصلاح الحقيقي

 أي إصلاح حقيقي لا بد أن ينطلق من الاعتراف بأن الاقتصاد ليس خلفية للأزمة… بل أحد جذورها الأساسية ، فالقانون مهم… لكنه ليس كافيًا
نعم، نحن بحاجة إلى تطوير تشريعي حقيقي، تشريع يحقق العدالة، ويربط النفقة بالدخل، ويضمن سرعة التنفيذ، ويحفظ كرامة الأطراف.

لكن القانون مهما كان دقيقًا، لن يُصلح إنسانًا مُنهكًا نفسيًا،
ولن يُنهي صراعًا تغذّيه ضغوط الحياة اليومية.

فالقانون ينظم الحقوق…
لكن الإنسان هو من يُدير العلاقة.

التوازن… جوهر الحل

 التوازن… جوهر الحل لا يمكن أن تستقر أسرة بعد الانفصال إذا بُنيت العلاقة على الصراع.
علينا أن نعيد تعريف الأدوار:
الأب ليس زائرًا… بل شريك في التربية، والأم ليست خصمًا… بل شريك في الاستقرار، والطفل ليس ساحة نزاع… بل أمانة مشتركة.

ومن هنا تأتي أهمية تطوير منظومة الرؤية والاستضافة،
بشكل يحفظ الكرامة، ويقلل الاحتكاك، ويُبقي العلاقة الإنسانية قائمة.

 يجب ان نتحول من بناء القانون إلى بناء الإنسان ومن منظور التنمية البشرية، لا يكفي أن نُحسن صياغة النصوص…
بل يجب أن نُحسن إعداد الإنسان الإنسان الواعي:
يدير ضغوطه، ويفهم ذاته، ويحمي قراراته من الانفعال.

خطوات علمية للإصلاح 

الإصلاح الحقيقي للعلاقات الأسرية لا يتحقق بمجرد تعديل قانون، بل يحتاج إلى بناء منظومة متكاملة تقوم على وعي إنساني، دعم اقتصادي، تشريع عادل، وتأهيل مستمر للأسرة. فالطفل ليس طرفًا في النزاع، لكنه غالبًا من يدفع الثمن، ما يستدعي حوارًا وطنيًا شاملًا يدرس كل الأبعاد لضمان مجتمع صالح ومستقر.

ويمكن تلخيص ذلك في عدة خطوات هي :

أولًا: مراكز للتأهيل والتوافق الأسري

إعداد المقبلين على الزواج نفسيًا واجتماعيًا، والتدخل المبكر قبل تحول المشكلات إلى أزمات.

ثانيًا: برامج إلزامية قبل الزواج

تعليم مهارات إدارة الضغوط، التخطيط المالي، وفهم طبيعة العلاقة الزوجية.

ثالثًا: دعم ما بعد الانفصال

إرشاد نفسي وأسري، نشر ثقافة التربية المشتركة، وحماية الطفل من أن يكون ضحية للصراع.

رابعًا: إصلاح اقتصادي داعم للأسرة

نشر الوعي المالي، دعم الفئات الأكثر احتياجًا، وربط النفقة بالدخل الحقيقي بشكل عادل ومتوازن.

خامسًا: حلول مبتكرة لحماية الطفل

تطوير نظم حديثة تضمن وصول النفقة في وقتها، تقلل من الاحتكاك بين الأطراف، وتحافظ على استقرار حياة الطفل.

سادسا : الإشكاليات الحالية

  1. النفقة: غياب معيار واضح يربطها بالدخل الحقيقي وتأخر التنفيذ، ما يخلق صراعًا مستمرًا.
  2. الرؤية: تحولت في كثير من الحالات إلى مشهد إنساني مؤلم، حيث الاحتكاك والتوتر وأحيانًا الإهانة أمام الطفل.
  3. مكان الرؤية: الاعتماد على أماكن غير مهيأة أو غير إنسانية، ما يفقد الرؤية معناها التربوي ويحولها إلى إجراء شكلي.

رسالة من القلب

أؤمن أن الأسرة التي تُدار بوعي، وتُدعم اقتصاديًا، وتُحكم بقانون عادل… هي أسرة قادرة على الصمود مهما اشتدت الظروف. حين نُخفف الضغوط نقلل النزاعات، وحين نُصلح الإنسان يصبح القانون أكثر عدلًا، وحين نحمي الأسرة نحمي المجتمع كله.

*خبير التنمية الإدارية والبشرية – والقيادي بحزب حماة الوطن وعضو مجلس إدارة الأسرة العربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى