قيسان تحت النار: جبهة سودانية جديدة تشتعل عند حدود إثيوبيا وتحالفات يتسع نطاقها

كتبت – د. هيام الإبس
في تصعيد ميداني يعيد رسم خريطة الصراع في السودان ويفتح جبهة مواجهة جديدة شديدة الحساسية، تعرّضت مدينة قيسان الحدودية بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق البلاد) لهجوم عنيف شنّه تحالف عسكري يجمع بين «قوات الدعم السريع» و«الحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال» (جناح جوزيف توكا).
استهدف الهجوم -الذي وقع في ساعات الصباح الأولى- مقر المحلية، حيث تصدّت له القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها في اشتباكات ضارية، وسط اتهامات متزايدة للمهاجمين باستهداف المدنيين ونهب الأسواق، واتهامات رسمية لأديس أبابا بتسهيل حركة المقاتلين عبر الحدود.
ضراوة في القتال وانتهاكات تطال الأسواق والزراعة
أفادت السلطات المحلية بوقوع مواجهات مسلحة عنيفة في محيط المركز الإداري للمدينة في محاولة لمنع المهاجمين من التمركز داخلها. ووفقاً لتقارير إعلامية محلية، تمكنت عناصر من قوات الدعم السريع من التغلغل إلى السوق الرئيسي في قيسان، حيث شهدت المنطقة أعمال نهب واسعة للمتاجر وإطلاق نار على المدنيين خلال حالة الفوضى العارمة، في ظل تعذر الحصول على حصيلة مستقلة للضحايا بسبب خطورة الأوضاع الميدانية.
من جانبه، دان المكتب الإعلامي لمحلية قيسان الهجوم بشدة، موضحاً أن القصف والقتال جرى بالتزامن مع انطلاق موسم الزراعة، واصفاً استهداف المزارعين في حقولهم بـ «جريمة حرب مكتملة الأركان». ويحذر مراقبون من أن تعطيل النشاط الزراعي في هذه الولاية الحييوية سيقود إلى عواقب وخيمة على الأمن الغذائي للسكان الذين يعتمدون كلياً على الإنتاج المحلي.
أبعاد استراتيجية وتبادل للاتهامات الإقليمية
تكتسب قيسان أهمية عسكرية واستراتيجية استثنائية نظراً لموقعها المحاذي للشريط الحدودي مع إثيوبيا، حيث يوفر التحرك فيها ممرات إمداد حيوية ونقاط اتصال لوجستية ترتبط بمناطق النزاع التاريخية.
وفي سياق متصل، وجّهت الخرطوم اتهامات صريحة إلى السلطات الإثيوبية بتسهيل عبور المقاتلين عبر الحدود نحو النيل الأزرق واستضافة معسكرات تجنيد تابعة لقوات الدعم السريع، وهو ما نفته أديس أبابا سابقاً. ويُخشى أن تؤدي هذه الاتهامات إلى زيادة التوتر على الحدود بين البلدين، والتي تشهد أصلاً ملفات أمنية وسياسية واقتصادية معقدة.
تحالفات متغيرة وذاكرة النزاع القديم
يأتي هذا الهجوم كرد فعل على التطور الميداني الذي شهدته المنطقة في يونيو الماضي، حينما استعاد الجيش السوداني السيطرة على مدينة الكرمك الحدودية القريبة من يد التحالف نفسه.
ويؤشر اندلاع القتال في قيسان إلى عدة نقاط جوهرية:
-
توسّع شبكة التحالفات: دخول عناصر «الحركة الشعبية – الشمال» بقيادة جوزيف توكا جنباً إلى جنب مع قوات الدعم السريع يغير طبيعة المواجهة ويحرفها عن كونها مجرد نزاع ثنائي بين الجيش والدعم السريع.
-
استدعاء جغرافيا الحرب التاريخية: تُعيد هذه المعارك إلى الأذهان صراعات العقود الماضية التي كانت فيها قيسان والكرمك مسرحاً رئيسياً للقتال قبل اتفاق السلام الشامل عام 2005.
-
تشتيت الجهود العسكرية: يستهدف فتح جبهة جديدة في النيل الأزرق إجبار القوات المسلحة السودانية على توزيع مواردها العسكرية على محاور متعددة بالبلاد.
المدنيون في مهب الرياح
يبدو أن النيل الأزرق مرشحة لأن تصبح إحدى أكثر جبهات الحرب حرجاً في المرحلة القادمة. وتبقى الخشية الكبرى متعلقة بالتبعات الإنسانية، إذ يُهدد وصول العمليات العسكرية إلى الأسواق والمناطق المأهولة والمزارع بتدفق موجات نزوح جديدة وتفاقم ندرة الغذاء والدواء، مما يضع السكان المحليين مجدداً في قلب دائرة الخطر.



