“لعينيك فقط”.. كيف سرّب موظف دولي وثائق أممية سرية عن غزة والضفة لإسرائيل؟

كتب – محمد السيد راشد
في وقت كانت فيه إسرائيل تواجه ضغوطاً أممية مكثفة ودعوات للمحاسبة بسبب حربها على قطاع غزة عام 2014 وانتهاكاتها المتواصلة في الضفة الغربية، كان دبلوماسيوها في نيويورك يتلقون من قلب المنظمة الدولية تقارير سريّة، ومسودات غير منشورة، وتفاصيل اجتماعات مغلقة. هذا ما كشفه تحقيق صحفي استقصائي نشره موقع “دروب سايت نيوز” الأمريكي المستقل، استناداً إلى تسريبات رسائل إلكترونية مخترقة تخص المندوب الإسرائيلي السابق لدى الأمم المتحدة رون بروسور.
اختراق من الداخل: موظف أممي برتبة “مصدر خاص”
ووفقاً للتحقيق، فإن الموظف السابـق في صندوق الأمم المتحدة للسكان، يهاف ليشنر (الذي يشغل اليوم منصب مدير مكتب منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” في واشنطن)، زوّد دبلوماسيين إسرائيليين بمعلومات وافية وتفصيلية خلال عامي 2014 و2015.
وقد حصلت منصة “دستربيوتد دينايل أوف سيكرتس” على هذه الرسائل عقب عملية قرصنة نفذتها مجموعة “حنظلة”. وتبيّن المراسلات كيف تحولت عدة معلومات استخباراتية وسرية سرّبها ليشنر إلى تحركات وسياسات إسرائيلية ضاغطة، بما في ذلك أروقة المؤتمرات والكونغرس الأمريكي.
“لعينيك فقط.. لا تحوّلها”: تسريب محادثات مفوض حقوق الإنسان
تُبرز إحدى الرسائل المسرّبة، والمؤرخة في 20 فبراير/شباط 2015، كيف أرسل ليشنر تقريراً سرياً للغاية من بريده الشخصي إلى بروسور والدبلوماسي روني ليشنو-يعار، تحت عنوان تحذيري: “لعينيك فقط.. لا تُحوِّلها”.
تضمن المرفق ملخصاً داخلياً لاجتماعات مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين في واشنطن مع مسؤولين أمريكيين وممثلي منظمات ضغط (مثل “أيباك” و”جي ستريت”)، بالتزامن مع التحقيق الأممي في حرب غزة 2014. وأظهر الملخص قلقاً أممياً من احتمال تجميد التمويل الأمريكي للمفوضية. وعلى الفور، استغل الدبلوماسيون الإسرائيليون هذه التسريبات للتحرك المباشر مع أعضاء الكونغرس للضغط على المنظمة الدولية دون الكشف عن مصدر المعلومة.
التلاعب بمسودات القرارات والتقارير الأمنية
ولم يقف التنسيق عند حد نقل الاجتماعات، بل امتد ليشمل محاولات التأثير المباشر على قرارات الأمم المتحدة وصياغاتها:
-
تعديل رسائل بان كي مون: في يوليو 2014، بالتزامن مع حرب “الجرف الصامد” على غزة، مرر ليشنر مسودة غير منشورة لرد الأمين العام السابق بان كي مون على رسالة للرئيس الفلسطيني محمود عباس، مشيراً إلى أنه يعمل مع “صديقة مشتركة” لإدخال إشارات تدين إطلاق الصواريخ من غزة.
-
تقارير أمنية واجتماعية حيوية: مرر تقارير أمنية عن الأردن ومشاريع هيكلة إدارة الإعلام بالأمم المتحدة، مقترحاً تقليص ووظائف الكوادر المعنية بالملف الفلسطيني وحقوق الإنسان أثناء مناقشة الميزانية.
-
تسريب تقارير طوارئ سريّة: في نوفمبر 2014، أرسل تقريراً مصنفاً “سري للغاية للأمم المتحدة- غير قابل للتوزيع” إلى 6 دبلوماسيين إسرائيليين، ما دفع المندوب الإسرائيلي بروسور للرد عليه بالقول: “يهاف، كالعادة، معلومات مذهلة ومن المصدر الأول”.
توفير حجج للدفاع عن إسرائيل وتحديد مصادر التسريب الصحفي
في مايو 2014، وعقب مقتل الفتيين الفلسطينيين محمود عودة سلامة ونديم نوارة برصاص القوات الإسرائيلية بالضفة الغربية، لم يكتفِ ليشنر بإبلاغ الدبلوماسيين بإنشاء المفوضية لملف التحقيق، بل زودهم بحجج قانونية وإعلامية لمواجهة الانتقادات.
وفي مارس 2015، نقل ليشنر مراسلات صحفية بين صحيفة “الغارديان” ومسؤولين أمميين حول ضغوط إسرائيلية لمنع إدراج الجيش الإسرائيلي في “قائمة العار” للجهات المنتهكة لحقوق الأطفال، بل وحاول بنفسه تقفي أثر الجعة الأممية التي سربت تلك البيانات للصحافة، مرجحاً أن تكون “الأونروا” أو مكتب “أوتشا”.
الدعم السياسي وضوابط المساءلة المفقودة
كشف التحقيق أن ليشنر عمل مستشاراً سياسياً للبعثة الإسرائيلية قبل انتقاله للأمم المتحدة، حيث حظي بدعم مباشر من الدبلوماسية الإسرائيلية والمندوبة الأمريكية السابقة سامانثا باور للحصول على موقعه الأممي. وفي إحدى نقاط الحديث التي أعدها لنفسه لطلب ترقية، وصف نفسه بأنه “ضابط استخبارات تحت التدريب”.
وعلى الرغم من أن قواعد الأمم المتحدة تفرض الحياد المطلق وتحظر نقل المعلومات للحكومات، تعكس هذه الحادثة غياب آليات المساءلة الداخلية الفعالة، حيث امتنع كل من



