الرياضة

الوحدة الكروية… حين تتحدث البشرية بلغة واحدة (9) أهداف تُسجل في شباك الحياة

الوجه الإنساني لكرة القدم هو أعظم إنجازاتها على الإطلاق

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في بامبالي، القرية التي نشأ فيها ساديو ماني، لم يكتفِ نجم الكرة السنغالي بإرسال المال إلى أهله، بل موّل مشروعات امتدت من المستشفى والمدرسة إلى البنية التحتية والاتصالات، في محاولة لتحويل نجاحه الشخصي إلى فرص يستفيد منها المجتمع الذي خرج منه.

عندما سُئل النجم السنغالي، الذي تُوج بأكبر الألقاب الكروية في أوروبا، عن سبب إنفاقه الملايين من ثروته على قريته بدلاً من عيش حياة البذخ المعتادة للنجوم، أجاب ببساطة مذهلة: “لماذا أريد عشر سيارات فاخرة، وعشرين ساعة ماسية، وطائرتين؟ ماذا ستفعل هذه الأشياء لي وللعالم؟ لقد كنت جائعاً، وعملت في الحقول، ولعبت حافي القدمين، ولم أذهب إلى المدرسة.. اليوم، بفضل ما جنيته من كرة القدم، يمكنني مساعدة شعبي”.

هذه القصة العميقة لا تمثل حالة فردية استثنائية، بل هي تجسيد حي للوجه الآخر لكرة القدم؛ الوجه الإنساني الذي يتوارى غالباً خلف أضواء الملاعب وصخب المدرجات وصفقات المليارات.

إنها القصة التي تثبت أن الساحرة المستديرة، في جوهرها، هي أكبر مؤسسة غير حكومية للتنمية والإغاثة على وجه الأرض.

الحراك الاجتماعي.. أهداف في شباك الفقر والجهل

من منظور علم الاجتماع، تُعد كرة القدم في دول الجنوب العالمي (أفريقيا، أمريكا اللاتينية، وأجزاء واسعة من آسيا) أقوى وأسرع أداة لـ “الحراك الاجتماعي” في أحياء الصفيح البرازيلية (الفافيلا)، وفي أزقة بوينس آيرس، وفي شوارع المدن الأفريقية المكتظة، لا ينظر الأطفال إلى كرة القدم على أنها مجرد لعبة ترفيهية، بل كـ “طوق نجاة” حقيقي من مستنقعات الفقر، والجريمة، وتجارة المخدرات.

مقابل كل نجم ينجح في الوصول إلى الشاشات العالمية، هناك مئات الآلاف من الأطفال والشباب الذين تحتضنهم الأكاديميات الكروية المحلية والمبادرات الرياضية المجتمعية.

هذه الأكاديميات لا تُخرج بالضرورة لاعبين محترفين، لكنها توفر بيئة آمنة تبعد المراهقين عن العصابات المسلحة، وتقدم لهم وجبات غذائية يومية، وتشترط عليهم الانتظام في فصولهم الدراسية للاستمرار في اللعب.

إنها تصنع مواطنين صالحين قبل أن تصنع أبطالاً رياضيين لقد نجحت كرة القدم في اختراق جدران الفقر المدقع، بأمل حقيقي تؤكد للمهمشين أن الموهبة والعمل الجاد قادران على تغيير القدر.

إرث البطولات الكبرى.. بنية تحتية للإنسانية

لم يعد تنظيم بطولة بحجم كأس العالم مقتصراً على بناء ملاعب ضخمة وتطوير شبكات النقل لخدمة الحدث على مدار شهر واحد، بل أصبح مقترناً بمفهوم “الإرث الإنساني والمجتمعي” حيث يفرض الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) اليوم معايير صارمة تتعلق بالاستدامة والمسؤولية المجتمعية على الدول المستضيفة.

تترافق البطولات الكبرى مع إطلاق صناديق تمويل ومبادرات خيرية عالمية تستهدف تحسين جودة الحياة في الدول النامية.

هذا جزء من العوائد الفلكية التي تُجنى من حقوق البث التلفزيوني وعقود الرعاية، كما يُعاد ضخه في برامج عالمية مثل برنامج “كرة القدم من أجل المدارس” الذي يهدف إلى دمج مبادئ اللعبة مع التعليم لتمكين ملايين الأطفال والفتيات حول العالم.

علاوة على ذلك، أصبحت البطولات الكبرى منصات عالمية ضخمة لرفع الوعي بالقضايا الإنسانية الملحة من حملات مكافحة العنصرية، إلى دعم حقوق اللاجئين، وتمكين ذوي الاحتياجات الخاصة من الانخراط في اللعبة سواء كلاعبين في بطولات موازية أو كمشجعين توفر لهم الملاعب غرفاً حسية خاصة.

هذا التوظيف للحدث الرياضي الأكبر عالمياً يحول المونديال من مجرد مسابقة، إلى حملة توعية إنسانية متواصلة تخاطب مليارات البشر في اللحظة ذاتها.

نجوم بمرتبة قادة مجتمعيين: مبادرة “الهدف المشترك”

اللاعب الإسباني خوان ماتا
ماركوس راشفورد

في العقد الأخير، تبلور وعي جديد لدى نجوم كرة القدم بحجم تأثيرهم ونفوذهم الذي يتجاوز حدود المستطيل الأخضر، بل تحول إلى قائد مجتمعي وصانع قرار مؤثر.

ولعل المبادرة الأبرز في هذا السياق هي حملة “الهدف المشترك” التي أطلقها اللاعب الإسباني “خوان ماتا”، والتي تقوم على فكرة بسيطة، ولكنها شديدة العمق: يتبرع اللاعبون والمدربون بـ 1% من رواتبهم السنوية لصالح منظمات غير حكومية تستخدم كرة القدم كأداة للتنمية الاجتماعية في المجتمعات الهشة.

انضم إلى هذه المبادرة مئات اللاعبين والمدربين والمسؤولين من مختلف أنحاء العالم، مما خلق تياراً مستداماً ومؤسسياً للعمل الخيري الكروي، بعيداً عن العشوائية أو الاستعراض الإعلامي.

وفي أوقات الأزمات الكبرى، يبرز معدن هؤلاء النجوم لن ينسى العالم كيف أجبر الشاب الإنجليزي “ماركوس راشفورد”، نجم مانشستر يونايتد، الحكومة البريطانية على تغيير سياساتها وإقرار استمرار تقديم الوجبات المدرسية المجانية لملايين الأطفال الفقراء خلال جائحة كورونا لقد استخدم راشفورد منصته الكروية كمنبر سياسي واجتماعي للدفاع عن الجياع، محققاً انتصاراً إنسانياً يفوق في قيمته أي كأس ذهبية.

المونديال بـ 48 منتخباً.. توسيع لشبكة الأمان الاجتماعي

عندما ننظر إلى قرار زيادة عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم إلى 48 منتخباً من منظور إنساني واجتماعي كما حدث في مونديال 2026، نجد أنه يمثل توسيعاً هائلاً لـ “شبكة الأمان الاجتماعي” الكروية.

إن تأهل منتخبات جديدة من دول نامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا الوسطى، يعني تلقائياً تدفق أموال إضافية من منح الفيفا عوائد المشاركة إلى الاتحادات المحلية في تلك الدول.

هذه الأموال، إن أُديرت بشفافية، تُترجم على أرض الواقع إلى بناء ملاعب شعبية، وتأسيس مراكز تدريب للفتيات، وتوفير فرص عمل للمدربين والإداريين المحليين.

التأهل للمونديال يضع هذه الدول تحت المجهر العالمي، مما يجذب انتباه المنظمات الدولية والمستثمرين والمؤسسات الخيرية لدعم البنية التحتية فيها.

بعبارة أخرى، يمثل المقعد الإضافي في كأس العالم شريان حياة لمجتمعات بأكملها، وفرصة نادرة لانتشال آلاف الأطفال من الشوارع ومنحهم هدفاً يسعون لتحقيقه.

المباراة التي لا تنتهي بصافرة

وراء كل تسديدة قوية تسكن الشباك، وكل هتاف يرج المدرجات، هناك قصة إنسان يبحث عن الكرامة، والاعتراف، والأمل.

إن الوجه الإنساني لكرة القدم هو أعظم إنجازاتها على الإطلاق؛ فهو الإرث الذي لا يُحفظ في خزائن زجاجية باردة، بل يُحفر في قلوب الأطفال الذين وجدوا في الكرة ملاذاً من قسوة الحياة.

إن المباراة الحقيقية لكرة القدم لا تُقام على عشب مثالي، ولا تنتهي بصافرة حكم بعد تسعين دقيقة.

المباراة الحقيقية تُخاض كل يوم في القرى النائية، وفي الأحياء الفقيرة، وفي مخيمات اللاجئين، حيث تلعب كرة القدم دور المهاجم الصريح في مواجهة الفقر، ودور المدافع الصلب في وجه التهميش.

وحين تتحدث البشرية بلغة هذه اللعبة، فإنها لا تتحدث فقط عن تكتيكات الفوز والخسارة، بل تتحدث عن التكافل، والرحمة، وعن تلك اللحظة المجيدة التي يقرر فيها نجم لامع أن يبني مستشفى في قريته المنسية، ليثبت للعالم أن أعظم الأهداف وأخلدها، هي تلك التي تُسجل في شباك الحياة.

وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ لُعْبَةٍ، كَانَ شِعَارُهَا:

الْوَحْدَةُ الْكُرَوِيَّةُ.. شَغَفٌ يُوَحِّدُ الْوِجْدَانَ، وَلُغَةٌ يَفْهَمُهَا كُلُّ إِنْسَانٍ

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى