ليبيا على مفترق الطرق: اتفاق مرتقب لتوحيد المؤسسات وسط ضغوط دولية

كتبت – د. هيام الإبس
تدخل الأزمة الليبية منزلاً سياسياً حرجاً يحمل في طياته فرصة نادرة للخروج من حالة الاستعصاء والجمود التي كبلت البلاد لسنوات. فبين وتيرة الضغوط الدولية والأمريكية المتصاعدة، والتحركات التفاوضية المحتدمة عبر لجنة “4+4″، تلوح في الأفق ملامح اتفاق مرتقب لتوحيد مؤسسات الدولة وإنهاء حالة الانقسام التنفيذي، وسط تساؤلات جوهرية حول قدرة الفرقاء الليبيين على ترجمة الزخم الخارجي إلى حل دائم ومستدام على الأرض.
زخم تفاوضي وضغوط دولية متصاعدة
تأتي هذه التطورات وسط إدراك إقليمي ودولي متزايد بأن استمرار وضع الفراغ المؤسسي لم يعد مجرد خلاف سياسي بين حكومتين، بل غدا مهدداً مباشراً لسيادة ليبيا وقدرتها على إدارة مواردها الاقتصادية والحد من ظواهر الهجرة غير النظامية ومعاودة نشاط الجماعات الإرهابية.
وفقاً لتصريحات نائب رئيس المؤتمر الوطني السابق صالح المخزوم، يمثل الاتفاق المرتقب “فرصة حقيقية” يتعين على النخب الوطنية استثمارها وعدم إهدارها. وتتداول الأوساط السياسية معلومات أولية تشير إلى إمكانية التوقيع على الوثيقة المرتقبة داخل البلاد عبر مرحلتين تبدآن من بنغازي ثم طرابلس، في خطوة تعكس جدية أكبر مقارنة بالمحاولات السابقة لتجاوز الانقسام.
غموض بناء أم غياب للشفافية؟
تستند آلية التفاوض الحالية إلى صيغة “الغموض البناء”، وهو تكتيك يُراد منه الحفاظ على تماسك المسار وإنجاحه دون الصدام المبكر بالتفاصيل المعقدة. غير أن هذا النهج يظل محاطاً بالمخاطر إذا ما تحول إلى غياب الشفافية بشأن ضمانات التنفيذ وآليات توزيع الصلاحيات وضبط الاستحقاقات الانتخابية.
من الناحية القانونية، يرى المخزوم أن تحركات البعثة الأممية عبر لجنة “4+4” تُمارس بموجب المادة (64) من الاتفاق السياسي لمنع الانهيار الدستوري، مؤكداً أن الاتفاق السياسي أضحى جزءاً مرجعياً من الإعلان الدستوري بموجب أحكام قضائية سابقاً.
تحديات التنفيذ وركائز الحاضنة الوطنية
رغم التفاؤل الحذر، تواجه التسوية المرتقبة عقبات هيكلية ترتبط بتعارض مصالح شبكات النفوذ والشرائح السياسية والأمنية المستفيدة من استمرار الانقسام وتقاسم عوائد النفط. وتتمثل محددات النجاح في الآتي:
-
التأطير الزمني: تحديد المهلة المرتقبة (30 يوماً) كإطار عملي لاختبار جدية الأطراف وإنجاز التفاهمات، منعاً لترسيخ مرحلة انتقالية مفتوحة جديدة.
-
الحاضنة السياسية: ضرورة عقد مؤتمر موسع للنخب والتيارات الوطنية (في مدن مثل سرت أو غدامس، أو بالخارج) لخلق بيئة مجتمعية وسياسية ضاغطة تحمي الاتفاق من التعطيل المنفرد.
-
الضمانات الدولية: أن يركز الدعم الخارجي على معالجة جذور الأزمة وإصلاح المنظومة الأمنية والاقتصادية، بدلاً من الاكتفاء بتشكيل سلطة تنفيذية هشة قد تنهار مع أول تغير في موازين القوى.
مفترق طرق حاسم
تقف ليبيا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما استثمار التوافق الدولي والمحلي الراهن لبناء سلطة موحدة تقود البلاد نحو انتخابات حاسمة، وإما الانزلاق مجدداً نحو إدارة الأزمة وتدوير الانقسام. ويبقى الرهان الأكبر متمثلاً في قدرة الليبيين على امتلاك زمام المبادرة وصياغة عقد وطني جامع يضع المصلحة العليا فوق كافة الحسابات الضيقة.



