احدث الاخبارالصراط المستقيم

منبر الجمعة… أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان

أسرة مستقرة تساوي اولاد مستقرة

إعداد/ الدكتور عبد المنعم إبراهيم عامر.

لخصها واعدها للنشر/ هاني حسبو.

المحور الأول: مكانة الأسرة وأهميتها في الرؤية الإسلامية

تُمثل الأسرة في الإسلام المركز العصبي للمجتمع، وليست مجرد تجمعٍ بيولوجي أو مادي. وتكمن  هذه الأهمية في ثلاثة أبعاد رئيسية:

  1. الصورة العملية للاستخلاف وعمارة الأرض: إن عمارة الأرض وبناء الحضارة الإنسانية لا يمكن أن يتحققا بجهود فردية مشتتة، بل من خلال مؤسسة الأسرة التي تجمع الطاقات.

    • الأدلة الشرعية:  قوله تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]، وقوله سبحانه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] لبيان أن وجود الأسرة هو تلبية لأمر الاستخلاف الإلهي.

  2. الأسرة كـ “قلب المجتمع”: تشببه الأسرة بالقلب في جسد الإنسان؛ فبصلاحها يستقيم أمر المجتمع وبفسادها ينهار بنيانه. ونظراً لهذه المكانة المحورية، يضع الشيطان تفكيك الأسرة على رأس أولوياته.

    • الأدلة الشرعية: الحديث الشريف: «أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ… أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ»، وحديث جابر بن عبد الله عن عرش إبليس حيث يُقرب منه أعظم جنوده فتنةً، ولا ينال الثناء الأكبر منه إلا الذي يأتي فيقول: «مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ»

    • الحصن والمأوى الآمن من الفتن والأوبئة: أكد النص أن البيت المستقر يُمثل “الملجأ السيكولوجي والمادي” للإنسان عند اشتداد الأزمات والفتن (الفتن العامة، فتنة الدجال، فتن النساء، والأوبئة الصحية).

      • الأدلة الشرعية: الأحاديث النبوية الآمرة بالتزام البيوت مثل: «الْزَمْ بَيْتَكَ، وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ»، وقول النبي ﷺ يوم فتح مكة تأميناً للناس: «وَمَنْ أَغْلَقَ بَابهُ فَهُوَ آمِنٌ».

المحور الثاني: مظاهر التوازن في عناية الإسلام بالأسرة

 الشريعة الإسلامية أحاطت الأسرة برعاية متوازنة جمعت بين الجانبين المادي والروحي:

  1. العناية الفقهية التشريعية: وتتمثل في صياغة منظومة “أحكام الأحوال الشخصية” بدقة متناهية (تشريعات النكاح، النفقة الواجبة، الميراث، الحضانة، والطلاق). هذا التنظيم الدقيق يحمي الحقوق المادية والشرعية لكل فرد داخل الأسرة ويسد منافذ النزاع.

  2. العناية الوجدانية والعاطفية: حيث لم تكتف الشريعة بالنصوص الجافة، بل حثت على إشاعة قيم المودّة، الرحمة، السكن، والرفق، ونهت بشدة عن كل السلوكيات التي تخدش كرامة المرأة أو تؤذي مشاعر الأطفال والآباء.

المحور الثالث: مقومات وأسباب الاستقرار الأسري

يقوم الاستقرار الأسري في المنظور الإسلامي على مبدأ “المعاشرة بالمعروف”، والتي تشمل القول الطيب، والمبيت، وحسن النفقة. وقد فصّل النص ستة مقومات أساسية لتحقيق هذا الاستقرار:

  1. التفاهم والحوار الإيجابي: الابتعاد عن التسلط والاستبداد بالرأي، واعتماد الشورى داخل البيت.

    • النماذج التطبيقية: استشارة النبي ﷺ لزوجته أم سلمة في صلح الحديبية والأخذ برأيها الحكيم الذي أنقذ الصحابة من فتنة المخالفة، ولجوء النبي ﷺ إلى زوجته خديجة في بدء الوحي ومحاورتها لطرد الخوف عن نفسه.

  2. الالتزام بالقيم الأخلاقية والتسامح: التغاضي عن الهفوات والتركيز على الإيجابيات.

    • الأدلة الشرعية: قوله تعالى: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237]، والحديث الشريف: «أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِنِسَائِهِمْ».

  3. تحمل المسؤولية المشتركة وفهم “القوامة”: القوامة في الإسلام هي تكليف بالرعاية والإنفاق والتدبير، وليست تشريفاً بالتسلط والسيطرة. كما أن التعاون في أعمال المنزل من شيم النبل.

    • الأدلة الشرعية: قوله تعالى: {الرِّجَالُ قوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34]. وسُئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ – تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ – فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ». كما ضرب النص مثلاً بـ أسماء بنت أبي بكر في خدمتها الشاقة لبيت زوجها الزبير بن العوام.

  4. الاستقرار الاقتصادي وتلبية الاحتياجات الأساسية: وجوب كفاية الأسرة مادياً بالمعروف وحرمة تقصير المعيل في النفقة.

    • الأدلة الشرعية: الحديث الشريف: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ».

  5. إدارة الأزمات وحل المشكلات بالرفق والحلم:

    • الأدلة الشرعية:  : «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ».

  6. التعبير المستمر عن العاطفة والمحبة: حدد النص وسائل عملية حث عليها الإسلام لإظهار المودة:

    • العلاقة الحميمية (الجماع): كوسيلة إلهية لتسكين النفس، ودفع غوائل الشهوة، وجمع القلوب.

    • تخصيص وقت للأهل (المسامرة): الاستماع لحديث الزوجة والاهتمام بتفاصيل يومها.

    • الوسائل السلوكية: التلامس الجسدي الحاني، كلمات الثناء والإطراء، إفشاء السلام عند الدخول، وتقديم الهدايا.

    • الأدلة الشرعية: قوله تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]، وحديث السمر الطويل للنبي مع عائشة عندما قصّت عليه حديث “أم زرع وأبو زرع”، فطمأنها قائلاً: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ… إِلاَّ أَنَّ أَبَا زَرْعٍ طَلَّقَ وَإِنِّي لاَ أُطَلِّقُ»، والحديث الشريف: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا».

المحور الرابع: النموذج الأسمى للبيئة المستقرة (بيت النبوة)

بيت النبي ﷺ وخديجة بنت خويلد رضي الله عنها كأعلى نموذج تاريخي وتطبيقي للبيئة الأسرية المستقرة والمحفزة:

  • صناعة السكينة: كانت خديجة رضي الله عنها الملاذ والملجأ الآمن للنبي ﷺ عندما نزل عليه الوحي مرتجفاً، فثبّتته بكلماتها المشهورة: “كلا والله لا يخزيك الله أبداً”. لقد وفرت له بيتاً خالياً من المنغصات والمنازعات، فاستحقّت جزاءً من جنس العمل.

  • البشارة الإلهية: بشرها جبريل عليه السلام بـ «بَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لاَ صَخَبَ فِيهِ وَلاَ نَصَبَ». وأوضح العلماء (كابن كثير وسهيل) أن اختيار “لا صخب فيه ولا نصب” (أي لا رفع صوت فيه ولا تعب) هو مكافأة لها لأنها لم ترفع صوتها على النبي ﷺ يوماً ولم تتعبه، بل وفرت له أقصى درجات الاستقرار النفسي.

المحور الخامس: آثار الاستقرار الأسري في بناء الإنسان وصياغة شخصيته

 البيئة الأسرية المستقرة تنعكس إيجاباً على الفرد في خمسة مجالات حيوية:

  1. تعزيز الصحة النفسية والشعور بالأمان العاطفي: الطفل أو الفرد الذي ينشأ بين أبوين متحابين يكتسب مناعة نفسية عالية ضد القلق والاكتئاب، ويصبح البيت بالنسبة له حصناً حقيقياً من صدمات الحياة الخرجية.

  2. تنمية القيم الأخلاقية والاجتماعية وتحمل المسؤولية: التعاون داخل الأسرة يخرج أفراداً فاعلين في المجتمع.

    • النموذج التطبيقي (أسرة أبي بكر الصديق في الهجرة): تجسدت قيم التضحية، الشجاعة، التعاون، وتحمل المسؤوليات الجسيمة في مواجهة المخاطر من خلال أدوار أفراد الأسرة المتكاملة: (أسماء ذات النطاقين وإعدادها للمتاد، عبد الله بن أبي بكر في تقصي الأخبار، عائشة رضي الله عنها، وعامر بن فهيرة في تعمية الآثار).

  3. مضاعفة القدرات العلمية والتحصيل الدراسي: تفريغ ذهن الطالب من المشاكل الأسرية يمنحه طاقة استيعابية هائلة تؤدي إلى النبوغ العلمي.

    • النماذج التطبيقية: أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؛ التي نشأت في بيت النبوة المستقر فصارت أفقه نساء الأمة على الإطلاق وأكثر أمهات المؤمنين رواية وحفظاً للسنة النبوية. وكذلك أنس بن مالك رضي الله عنه خادم النبي ﷺ الذي نشأ وتربى في حضن الرعاية النبوية المستقرة فصار من كبار علماء الصحابة ورواة الحديث

  4. بناء شخصية متوازنة واكتساب مهارات التواصل وحل المشكلات: يتعلم الفرد داخل الأسرة كيفية الحوار العقلاني وإقناع الآخرين.

    • النموذج التطبيقي (عبد الله بن عباس رضي الله عنهما): تميز بشخصية متوازنة للغاية؛ ففي حياته الخاصة كان مثالاً في حسن التأنق والتزين لزوجته (قائلاً: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي). وفي حياته العامة مكنه هذا الاتزان والحوار التربوي من امتلاك مهارات إقناع تواصلية خارقة؛ ظهرت جلياً في مناظرته الشهيرة للخوارج (الحرورية) بطلب من علي بن أبي طالب، حيث استطاع بحجته الهادئة إقناع ألفين منهم بالرجوع عن فكرهم الضال والعودة لجادة الصواب.

  5. الحد من السلوكيات الانحرافية والجرائم: الأسرة المستقرة تعمل ككابح وقائي يحمي الأبناء من الانجراف وراء رفقاء السوء أو السلوكيات العدوانية، ويعمق انتمائهم الإيجابي لوطنهم ومجتمعهم.

المحور السادس: ثمار الاستقرار الأسري في نصوص الوحيين

  • مفهوم “قُرّة الأعين”: في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]. بيّن النص (مستشهداً بتفسير القرطبي عن الحسن البصري) أن قرة العين لا تعني الجمال المادي، بل أن يرى العبد زوجته وأولاده يطيعون الله عز وجل، فليس هناك ما هو أقر لعين المسلم من رؤية أحبابه في طاعة الله، بعيدين عن اقتراف الجرائر والآثام.

  • امتلاك الدنيا بحذافيرها: يربط الإسلام بين الأمن الأسري والأمن العام في الحديث الشريف: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»؛ حيث يُفسر “أمناً في سربه” بالأمن في بيته ونفسه وأهله، وهي النعمة الكبرى التي تستوجب دوام الشكر.

المحور السابع: الرؤية الختامية والتوصيات المستنتجة

وتكمن التوصية الضمنية للموضوع في وجوب استمساك الأسر بالهدي النبوي في تفاصيل الحياة اليومية، والتعامل مع البيوت على أنها “محاضن تربوية استراتيجية” لصناعة الإنسان، وليس مجرد أماكن مادية للسكنى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى