أراء وقراءات

من عبور الأرض إلى معركة الوعي.. حين تغيّرت طبيعة الحرب

بقلم/ دكتورة هناء خليفة

 

في حرب أكتوبر كان جزء من الانتصار أن ينجح المصريون في خداع العدو بشأن موعد الحرب واتجاهها، وأن تصل المعركة إلى هدفها قبل أن يدرك الطرف الآخر ما يحدث. كانت المعلومة وقتها جزءًا من إدارة المعركة، وكان التأثير في إدراك الخصم أحد عناصرها المهمة.

لكننا اليوم أمام نوع مختلف من الحروب؛ حروب لا تبدأ بالضرورة بصوت المدافع، ولا يكون ميدانها الوحيد أرض المعركة.

*الحرب التي تستهدف ما نراه ونصدقه

في حروب الجيل الرابع والخامس أصبحت المعركة تمتد إلى الإدراك نفسه: ماذا نرى؟ ماذا نصدق؟ من نثق به؟ وكيف نفسر ما يحدث حولنا؟

وهنا يصبح الإنسان نفسه جزءًا من ميدان الحرب؛ لأن التأثير في وعي المجتمع ومشاعره وتفسيره للأحداث قد يكون هدفًا لا يقل أهمية عن تحقيق مكسب عسكري على الأرض.

فإذا استطعت أن تؤثر في طريقة رؤية الناس للحدث، فأنت لا تؤثر فقط في معلوماتهم، بل في مواقفهم وقراراتهم واتجاهاتهم.

*من تضليل الخصم إلى صناعة الرواية

في أكتوبر كان هناك حرص على ألا تكشف المعلومات العسكرية ما يجري، وكان التضليل جزءًا من الخداع الاستراتيجي. أما اليوم فقد أصبح المجال المعلوماتي أكثر اتساعًا وتعقيدًا؛ فالمعركة قد تدور عبر الأخبار والصور والفيديوهات والحسابات الوهمية والمحتوى المضلل والحملات الرقمية.

وهنا تظهر أهمية الرواية: من يحدد تفسير الحدث؟ من يحدد من هو الضحية ومن هو المعتدي؟ ومن يستطيع أن يفرض روايته باعتبارها الحقيقة الوحيدة؟

*المعركة الأخطر.. أن تفقد قدرتك على التمييز

المشكلة في حروب الوعي ليست فقط أن تصل إلينا معلومة خاطئة، وإنما أن تختلط الحقيقة بالشائعة، والخبر بالرأي، والصورة الحقيقية بالمحتوى المصطنع، حتى يصبح الإنسان غير قادر على معرفة ما الذي يستحق أن يصدقه.

وهنا لا يكون الهدف دائمًا إقناعك برواية محددة؛ أحيانًا يكفي أن تجعلك تشُك في كل شيء، وتفقد ثقتك في مصادر المعرفة، وتصبح الحقيقة بالنسبة لك مجرد وجهة نظر.

*من الجندي في الميدان إلى الإنسان أمام الشاشة

وهنا تختلف طبيعة المعركة… في الحرب التقليدية كان الجندي يعرف أنه في مواجهة عدو على أرض المعركة. أما في حروب الوعي، فقد يصل التأثير إلى الإنسان وهو في منزله، عبر هاتفه وشاشته وحسابه الشخصي، وقد لا يدرك أصلًا أنه يتعرض لمحاولة تأثير.

وهذا ما يجعل الوعي جزءًا أساسيًا من الأمن؛ لأن المجتمع الذي لا يمتلك قدرة على التحقق والتفكير النقدي يمكن أن يصبح أكثر قابلية للتأثر بالشائعات والتلاعب والاستقطاب.

*ماذا تعلمنا أكتوبر اليوم؟

الدرس الأهم ليس أن نكرر حرب أكتوبر في زمن مختلف، وإنما أن نفهم فلسفة الانتصار فيها: معرفة طبيعة المعركة، وإدارة المعلومات، وفهم الخصم، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية.

واليوم تغيّر السلاح وتغيّر الميدان، لكن بقيت قاعدة أساسية: الوعي قوة.

فإذا كان عبور قناة السويس احتاج إلى شجاعة وتخطيط ومفاجأة، فإن حماية الوعي اليوم تحتاج إلى وعي من نوع آخر؛ وعي يعرف أن ما يظهر أمامه على الشاشة ليس بالضرورة الحقيقة كاملة، وأن كثرة تداول المعلومة لا تجعلها صحيحة، وأن سرعة انتشارها لا تعني أنها تستحق التصديق.

*معركة اليوم.. أن نمتلك وعينا

حرب أكتوبر تركت لنا درسًا في أن الانتصار لا يتحقق بالسلاح وحده، وأن إدارة المعلومات والإدراك جزء من إدارة الصراع.

واليوم أصبحت معركة الوعي واحدة من أهم ساحات الصراع في عالم تتداخل فيه حروب الجيل الرابع والخامس مع التكنولوجيا والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

لذلك ربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس فقط: كيف نحمي أرضنا؟ بل أيضًا: كيف نحمي عقولنا من أن تصبح أرضًا مفتوحة للتأثير؟

فالعبور الذي بدأ في أكتوبر كان عبورًا للأرض.. أما معركة عصرنا، فهي أن نعبر بالوعي أولًا.

دكتورة هناء خليفة

دكتوراة في الإعلام من كليه الآداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى