نحو أسرة راشدة (6) أدوار لا أسوار

كتب : الدكتور أمين رمضان
في المقالات الثلاثة السابقة، أسسنا لفهم الأسرة كمنظومة حية تتأثر وتؤثر في أفرادها والعالم الخارجي، ومستويات قيمها التي تعيش بها وتتبناها، ولغة تواصلها التي تتواصل بها على مستوى الوعي ومستوى اللاوعي. اليوم، نقتحم منطقة شائكة وغالباً ما تكون مصدراً للصراع هي منطقة الأدوار والمسؤوليات. في الأسرة الراشدة، لا يُنظر للأدوار كقيود حديدية تفرضها العادات والتقاليد، أو أسوار تعزل أفراد الأسرة بعضهم عن بعض، بل بصفتها مهاماً وظيفية تضمن استمرار حياة المنظومة ونجاحها، عندما تتكامل المهام في المنظومة الأسرية، فتكون فيها منطقة الأدوار والمسئوليات منطقة تكامل وليس منطقة صراع يعصف بكيان الأسرة.
فخ “النصوص الجامدة” في الأدوار
من منظور علم الاجتماع وعلم النظم، تفشل المنظومات عندما تصر أجزاؤها على أداء وظائف جامدة لا تراعي التغيرات المحيطة. في بيوت كثيرة، ما زلنا نعيش بعقليات قديمة تقسم الأدوار بحسم: “هذا عمل الرجل” و”هذا عمل المرأة”، دون النظر للكفاءة، أو الوقت، أو المصلحة العامة للأسرة. هذه “القيود” تخلق ضغطاً نفسياً رهيباً وشعوراً بالظلم لدى الطرف الذي يتحمل العبء الأكبر، مما يهدد استقرار المنظومة.
الميزان القرآني: الحقوق والواجبات بالمعروف
لقد وضع القرآن الكريم قاعدة ذهبية تحقق التوازن والمرونة، بعيداً عن الصراع بين المرأة والرجل، حيث يقول الله تعالى:
«وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (البقرة: 228)
هذه الآية تؤسس لـ “التكامل” لا “التطابق”. هناك حقوق وهناك واجبات، ومقياس أدائها هو “المعروف” (أي المتعارف عليه بالعقل والشرع واللطف والمناسب للسياق العصري). الأسرة الراشدة تترجم “المعروف” على أنه: التعاون المرتكز على الرحمة، وتقدير جهود الطرف الآخر، والمرونة في تبادل الأدوار عند الضرورة لمواجهة تحديات العصر.
التربية على المسؤولية والتكامل (بيت شعر)
لا يقتصر التكامل على الزوجين، بل يشمل الأبناء. الأبناء في الأسرة الراشدة ليسوا “ضيوفاً” بل أعضاء فاعلون. ومهما كانت الأعباء الخارجية، فإن دور الأم في التنشئة يبقى محورياً، وهو ما أكده الشاعر حافظ إبراهيم في بيته الشهير الذي يوضح دوراً تأسيسياً للمرأة ضمن المنظومة:
الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها … أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ
ولكن، لكي ينجح هذا الدور، يحتاج لزوجة داعمة وأم مربية، كما يحتاج لزوج داعم وأب مربي، وأبناء مشاركين في تحمل المسئولية الجماعية والشخصية في نفس الوقت.
إجراءات عملية للتكامل هذا الأسبوع:
1. قائمة المهام: اجلسوا كعائلة واكتبوا كل مهام البيت (كبيرة وصغيرة).
2. التوزيع المرن: وزعوا المهام بناءً على (القدرة، الوقت، المهارة) وليس الجنس. (يمكن للأب أن يطبخ، وللابنة أن تساعد في إصلاح شيء بسيط).
3. تطبيق العواقب المنطقية: اتفقوا مع على المهام وعواقب عدم أدائها، وأن من لا يؤدي دوره (مثلاً ترتيب غرفته)، سيتحمل عاقبة ذلك بنفسه (لن يتمكن من إيجاد ألعابه).
خلاصة المقال
الأسرة الراشدة لا تعيش داخل “أسوار أدوار” جاهزة وموروثة، بل تخلق نظاماً مرناً وتكاملياً للمهام والمسؤوليات. هذا النظام يستمد شرعيته من القاعدة القرآنية في التعامل بـ “المعروف”، ويضمن أن كل فرد، أباً وأماً وأبناء، يحمل لبنة في بناء البيت، فتتحول الأدوار من قيود تخنق إلى سواعد تبني وتدعم المنظومة الحية.
الدكتور / أمين رمضان
23 أبريل 2026 م




