السودانشئون عربية

يوميات وطن ينزف (24) السودان… حين يصبح الموقع نعمةً ومحنة

      قلبي سوداني (18)

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

كان السودان يجلس بهدوء على الساحل الغربي حيث يوجد أهم وأكثر الممرات البحرية حساسية على وجه الأرض بين ضفتي البحر الأحمر، حيث يمتلك مئات الكيلومترات من السواحل الذي يبلغ حوالي 853 كيلومتراً.

ربما لم يكن السوداني البسيط في قرى الشرق يدرك أن العالم يمر بتحولات كبرى، ويعيش فوق أرضٍ بدأت أهميتها تتعاظم في حسابات الدول والإمبراطوريات والقوى التجارية الكبيرة.

ولما لا والسودان يحمل ميزة استثنائية لا تتكرر كثيراً: موقعٌ جغرافي يمكن أن يصنع الازدهار، ويمكن في الوقت نفسه أن يجذب التنافس والصراع.

فبعض الأوطان تتعب بسبب فقرها أما السودان، فكثيراً ما بدا وكأنه يتعب بسبب أهمية موقعه.

السودان أكثر من مجرد نقطة على الخريطة

حين ننظر إلى السودان من أعلى، لا نرى مجرد دولة إفريقية واسعة المساحة، بل نرى ملتقى طرق حضارية وجغرافية نادرة.

  • إلى الشمال يمتد العمق العربي.
  • وإلى الجنوب تنفتح بوابة إفريقيا الاستوائية.
  • ومن الشرق يطل البحر الأحمر على طرق التجارة العالمية.
  • أما الغرب فيقود إلى قلب القارة الإفريقية وأسواقها ومواردها البشرية والطبيعية الهائلة.

لهذا لم يكن السودان يوماً دولة معزولة، بل كان دائماً منطقة عبور وتأثير وتواصل.

ومنذ آلاف السنين، كانت القوافل التجارية تمر عبر أراضيه، تحمل البضائع، والأفكار، والثقافات، واللغات.

وكانت موانئه وشواطئه جزءاً من حركة بشرية واقتصادية تربط شعوباً بعيدة ببعضها البعض كأن الجغرافيا أرادت لهذا البلد أن يكون جسراً لا جداراً.

البحر الأحمر… الطريق الذي لا ينام

ليست كل البحار متشابهة فهناك بحار جميلة للسياحة وهناك بحار غنية بالثروات لكن البحر الأحمر يمتلك شيئاً إضافياً إنه أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

فجزء كبير من التجارة الدولية يمر عبره يومياً، حاملاً النفط والبضائع والمواد الخام والسلع الاستراتيجية بين آسيا وأوروبا وإفريقيا.

لهذا فإن أي دولة تطل على البحر الأحمر تمتلك قيمة جيوسياسية تتجاوز حدودها الجغرافية والسودان من بين أهم هذه الدول.

فالساحل السوداني الطويل لا يمثل مجرد شريط مائي جميل، بل يمثل نافذة استراتيجية على الاقتصاد العالمي ومن خلال موانئه، وعلى رأسها مدينة بورتسودان، يستطيع السودان أن يكون مركزاً تجارياً ولوجستياً مؤثراً يربط بين القارات والأسواق.

لكن هذه الميزة نفسها جعلت أنظار كثير من القوى الإقليمية والدولية تتجه نحوه باستمرار فالمواقع المهمة نادراً ما تُترك وشأنها.

السودان… بوابة إفريقيا الكبرى

حين يتحدث الخبراء عن مستقبل التجارة في القارة الإفريقية، يظهر السودان دائماً كحلقة وصل طبيعية بين العالم العربي وإفريقيا.

فمن خلال موقعه يمكن أن تنتقل البضائع والاستثمارات والمعرفة بين شمال القارة ووسطها وشرقها ويمكن أن يصبح ممراً رئيسياً يربط دولاً إفريقية كثيرة بالموانئ البحرية والأسواق العالمية هذه ليست مجرد نظرية جغرافية، بل فرصة اقتصادية حقيقية.

فالسودان لا يملك فقط موقعاً مميزاً، بل يملك أيضاً مساحة واسعة وشبكات طرق محتملة وموارد طبيعية ضخمة يمكن أن تدعم دوره كمركز إقليمي للنقل والتجارة والخدمات ولو توفرت البيئة المستقرة والبنية التحتية المناسبة، لأصبح السودان أحد أهم مراكز الربط الاقتصادي في المنطقة بأسرها.

حين تتحول الأهمية إلى عبء

لكن التاريخ يعلمنا أن المواقع الاستراتيجية ليست دائماً نعمة خالصة فكلما ازدادت أهمية المكان، ازدادت المنافسة حوله وهذا ما عاشه السودان عبر مراحل مختلفة من تاريخه.

فالموقع الذي كان يمكن أن يكون بوابة للازدهار، أصبح أحياناً سبباً في زيادة الضغوط والتجاذبات.

  • القوى الإقليمية تنظر إليه باعتباره مفتاحاً جغرافياً مهماً.
  • والقوى الدولية تدرك قيمة البحر الأحمر وتأثيره على حركة التجارة العالمية.

وكل ذلك يجعل السودان جزءاً من معادلات أكبر من حدوده أحياناً ولهذا وجد السودانيون أنفسهم مراراً أمام واقع معقد: بلد يملك موقعاً استثنائياً، لكنه لم يستطع دائماً تحويل هذه الميزة إلى مكاسب تنموية مستقرة.

الإنسان السوداني… الحلقة الأهم

وسط الحديث عن الموانئ والبحار والممرات الدولية، يبقى العنصر الأهم هو الإنسان فالموقع الجغرافي لا يصنع المعجزات وحده والموانئ لا تبني المستقبل بمفردها والخرائط لا تتحول إلى نهضة إلا عندما توجد إرادة بشرية قادرة على استثمارها.

السودانيون هم الثروة الحقيقية التي تمنح هذا الموقع معناه فهم من يديرون الموانئ وهم من يبنون الطرق وهم من يحولون الجغرافيا إلى اقتصاد، والموقع إلى فرصة.

لهذا فإن أي حديث عن مستقبل السودان يجب أن يبدأ بالإنسان قبل الأرض لأن الأمم لا تنهض بما تملكه فقط، بل بما تفعله بما تملكه.

بين الجغرافيا والقدر

هناك دول تبحث عن منفذ بحري فلا تجده ودول تتمنى أن تكون جسراً بين القارات فلا تستطيع ودول تنفق مليارات الدولارات لتعويض ما حُرمت منه جغرافياً.

أما السودان فقد مُنح كثيراً من هذه المزايا منذ البداية لكنه ما زال يخوض معركته الكبرى لتحويل الإمكانات إلى واقع فالمشكلة لم تكن يوماً في الموقع فالموقع موجود ولم تكن في الفرص فالفرص كثيرة، بل كانت في غياب الاستقرار الكافي لاستثمار هذه النعم كما ينبغي.

السودان… الجسر الذي ينتظر العبور

ورغم كل ما مرّ به هذا الوطن من حروب وأزمات وصعوبات، فإن الحقيقة ما زالت ثابتة:

  • الجغرافيا لم تغادر مكانها.
  • البحر الأحمر ما زال هناك.
  • والموانئ ما زالت تطل على العالم.
  • والطرق التي تربط إفريقيا بالعالم الخارجي ما زالت تمر عبر هذه الأرض والفرصة ما زالت قائمة.

فالأوطان العظيمة لا تُقاس فقط بما تعيشه اليوم، بل بما تملكه من قدرة على النهوض غداً.

والسودان يملك من المقومات ما يجعل مستقبله أكبر من أزماته الحالية وربما يأتي يوم ينظر فيه السودانيون إلى خريطتهم بطريقة مختلفة لا باعتبارها خريطة وطن أنهكته الصراعات، بل خريطة وطن أدرك أخيراً قيمة موقعه، واستثمره لصالح أبنائه.

يومها لن يكون البحر الأحمر مجرد حدود شرقية، بل نافذة للأمل ولن يكون السودان مجرد نقطة عبور بين القارات، بل مركزاً للحياة والتجارة والتواصل الإنساني.

فبعض الأوطان تُمنح موقعاً جغرافياً مميزاً أما السودان، فقد مُنح موقعاً يشبه الوعد ووحدها الشعوب القادرة على النهوض هي التي تعرف كيف تحوّل الوعود إلى واقع.

وما زال في قلب السودان متسعٌ لهذا الحلم، مهما طال الطريق، ومهما تعاقبت العواصف.

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى