السودانشئون عربية

يوميات وطن ينزف (25) بين بريق الذهب ووجع الإنسان: الوجه الخفي للحرب في السودان

          قلبي سوداني (19)

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

 

في أغسطس من عام 2024، أعلن مجلس الذهب العالمي أن البنوك المركزية حول العالم واصلت شراء الذهب بوتيرة مرتفعة، في مشهدٍ يعكس حجم القلق الذي يعيشه الاقتصاد العالمي.

كانت الأسواق مضطربة، والتضخم يضغط على الاقتصادات الكبرى، والحروب والأزمات الجيوسياسية تفرض ظلالها الثقيلة على حركة التجارة والاستثمار.

في تلك اللحظة، كان العالم كله تقريباً ينظر إلى الذهب باعتباره ملاذاً آمناً وحين يخاف العالم، يركض نحو الذهب وحين يركض العالم نحو الذهب، تصبح الدول التي تملكه أكثر أهمية من أي وقت مضى وفي قلب هذه المعادلة كان السودان يقف بصمت.

بلدٌ يمتلك واحداً من أكبر احتياطيات الذهب في إفريقيا، ويعيش في الوقت نفسه واحدة من أعقد الأزمات السياسية والإنسانية في تاريخه الحديث.

هنا يبرز سؤالٌ يستحق التأمل:  

هل جاءت الحرب في السودان في توقيتٍ عادي؟ أم أنها اندلعت في لحظةٍ أصبح فيها الذهب أكثر قيمة من أي وقت مضى؟

قد تختلف الإجابات، لكن المؤكد أن توقيت الصراع جعل الذهب السوداني يتحول من مجرد مورد اقتصادي إلى عنصر حاضر في الحسابات الإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة.

العالم الخائف… وملاذ الذهب

في الأوقات الطبيعية، يبحث المستثمرون عن الأرباح لكن في أوقات القلق، يبحثون عن الأمان وهنا يظهر الذهب دائماً.

فمنذ مئات السنين، ظل الذهب يمثل الملاذ الأخير حين تهتز العملات، وتتراجع الأسواق، وتزداد المخاوف من الأزمات الاقتصادية.

ومع السنوات الأخيرة، شهد العالم سلسلة من الصدمات الكبرى:

  • جائحة عالمية أربكت الاقتصاد.
  • حروب أثرت على سلاسل الإمداد.
  • ارتفاعات متتالية في أسعار الطاقة.
  • تضخم ضرب اقتصادات كبرى لم تكن معتادة على مثل هذه المستويات.
  • وتوترات جيوسياسية جعلت كثيراً من الدول تعيد التفكير في احتياطياتها النقدية.

وسط كل ذلك، عاد الذهب إلى الواجهة بقوة.

  • البنوك المركزية زادت مشترياتها.
  • والمستثمرون ضاعفوا اهتمامهم به.
  • والدول الغنية بالذهب أصبحت محط أنظار الجميع.

وفي هذا المناخ العالمي المتوتر، لم يعد الذهب مجرد معدن أصفر يخرج من باطن الأرض، بل أصبح جزءاً من معادلات الأمن الاقتصادي العالمي.

السودان… كنز في قلب العاصفة

حين يُذكر الذهب في إفريقيا، يحضر اسم السودان سريعاً فخلال السنوات الأخيرة أصبح السودان واحداً من أكبر منتجي الذهب في القارة، ويمتلك احتياطيات ضخمة موزعة على مناطق واسعة من البلاد.

  • من دارفور إلى كردفان.
  • ومن النيل الأزرق إلى مناطق أخرى متعددة.

تنتشر الثروة الذهبية في رقعة جغرافية واسعة تجعل السودان لاعباً مهماً في سوق الذهب العالمي.

لكن المشكلة لم تكن يوماً في وجود الذهب، بل في البيئة المحيطة به فالذهب يحتاج إلى استقرار حتى يتحول إلى تنمية ويحتاج إلى مؤسسات قوية حتى يصبح مصدر ازدهار.

أما حين تغيب الدولة، وتتصاعد الصراعات، فإن الذهب يتحول من فرصة اقتصادية إلى وقودٍ إضافي للنزاعات.

وهذا ما جعل السودان يعيش مفارقة مؤلمة كلما ارتفعت قيمة الذهب عالمياً، ازدادت حساسية الصراع حوله داخلياً.

عندما تتحول الثروة إلى ورقة جيوسياسية

في عالم السياسة الدولية، لا تنظر الدول الكبرى إلى الموارد الطبيعية بوصفها أرقاماً اقتصادية فقط، بل تنظر إليها باعتبارها أدوات نفوذ وتأثير.

  • النفط يفعل ذلك.
  • والغاز يفعل ذلك.
  • والذهب أيضاً يفعل ذلك.

ففي زمن القلق الاقتصادي العالمي، يصبح الوصول إلى مصادر الذهب وتأمين تدفقه جزءاً من حسابات أوسع من مجرد التجارة.

هنا يكتسب الذهب السوداني أهمية مضاعفة ليس فقط بسبب حجمه، بل بسبب توقيت الحاجة إليه.

فالعالم يعيش مرحلة تتزايد فيها المخاوف من التقلبات المالية والذهب يمثل بالنسبة لكثير من الدول والمؤسسات نوعاً من التأمين ضد المجهول.

لهذا أصبح الذهب السوداني جزءاً من مشهد أكبر بكثير من حدود السودان نفسه مشهد تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات السياسية والاستراتيجية.

الحرب التي لا تُقاس بالرصاص فقط

حين يسمع الناس كلمة “حرب”، فإنهم يفكرون غالباً في الدبابات والطائرات والجبهات العسكرية.

لكن بعض الحروب تُدار أيضاً بلغة الاقتصاد وبعض الصراعات لا تدور فقط حول الأرض، بل حول ما يوجد تحت الأرض.

وفي السودان تبدو هذه الحقيقة واضحة بصورة مؤلمة فالذهب ليس سبباً وحيداً للصراع، فالأزمات السودانية أعقد من أن تُختزل في عامل واحد.

لكن من الصعب تجاهل أن الثروات الضخمة الموجودة في البلاد أصبحت جزءاً من المشهد العام للصراع.

فالمنطقة التي تحتوي على ثروة استراتيجية نادراً ما تبقى بعيدة عن التنافس والمورد الذي ترتفع قيمته عالمياً يصبح أكثر جذباً للأطراف المختلفة.

هكذا وجد السودان نفسه في قلب معادلة صعبة: بلد يحتاج إلى موارده من أجل التنمية وفي الوقت نفسه يجد أن هذه الموارد نفسها تجذب مزيداً من التعقيدات والتنافس.

المواطن البسيط… الغائب الأكبر عن المعادلة

المؤلم أن المواطن السوداني العادي لا يفكر في أسعار الذهب العالمية ولا يتابع حجم مشتريات البنوك المركزية ولا يهتم كثيراً بتقارير الأسواق الدولية كل ما يريده

  • هو حياة مستقرة له ولأسرته
  • ومستشفى يعالج مرضاه
  • ومدرسة لأطفاله
  • وطريقاً آمناً يسير عليه.
  • وفرصة عمل تحفظ كرامته.

لكن المفارقة القاسية أن الذهب الذي يُفترض أن يساعد على تحقيق هذه الأحلام، أصبح في كثير من الأحيان جزءاً من المشكلات التي تعيقها.

فالثروة التي كان يمكن أن تبني، أصبحت أحياناً سبباً في مزيد من التنافس والكنز الذي كان يمكن أن يفتح أبواب التنمية، أصبح محاطاً بصراعات لا تنتهي.

السودان بين لعنة التوقيت وفرص المستقبل

ربما كان التوقيت أحد أكثر عناصر المشهد السوداني إثارة للتأمل فالحرب جاءت في مرحلة تاريخية ارتفعت فيها أهمية الذهب إلى مستويات كبيرة وجاءت في عالم يعيش قلقاً اقتصادياً متزايداً وجاءت في لحظة أصبحت فيها الموارد الاستراتيجية جزءاً أساسياً من حسابات النفوذ الدولي.

لكن التاريخ يعلمنا أيضاً أن الثروات ليست قدراً محتوماً فالذهب يمكن أن يكون وقوداً للصراع ويمكن أن يكون أساساً للنهضة.

والفرق بين الحالتين ليس في المعدن نفسه، بل في الطريقة التي يُدار بها.

بين بريق الذهب ووجع الإنسان

في النهاية، لا يحتاج السودان إلى مزيد من الذهب فالذهب موجود بالفعل ولا يحتاج إلى اكتشاف كنوز جديدة فالكنوز تملأ أرضه منذ زمن طويل.

ما يحتاجه السودان حقاً هو أن يتحرر الإنسان من الخوف قبل أن تتحرر الثروة من باطن الأرض وأن تتحول الموارد إلى مدارس بدلاً من المتاريس وإلى مستشفيات بدلاً من ساحات النزاع وإلى فرص للحياة بدلاً من أسباب جديدة للموت.

فالأوطان لا تُقاس بما تملكه من ذهب، بل بما تمنحه لأبنائها من كرامة وأمان وأمل.

وربما سيأتي يوم ينظر فيه السودانيون إلى هذه المرحلة بوصفها درساً قاسياً من دروس التاريخ.

يوم يدرك الجميع أن المعدن الأغلى لم يكن الذهب المدفون تحت الجبال، بل الإنسان الذي عاش فوق هذه الأرض وصبر على أوجاعها.

وعندما ينتصر هذا الإنسان، سيكتشف السودان أن ثروته الحقيقية لم تكن في المناجم وحدها، بل في شعبٍ ظل متمسكاً بالحياة، حتى وهو يسير وسط العواصف.

فبريق الذهب قد يلفت الأنظار، لكن نور الأوطان يُصنع دائماً من قلوب أبنائها.

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى