
بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
في مساء ربيعي هادئ، كان الشاب اللبناني “جاد” يقف في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، يحتضن والدته للمرة الأخيرة قبل أن يستقل طائرته إلى إحدى دول الخليج.
لم يكن يحمل سوى حقيبتين وشهادة جامعية، لكن والدته كانت ترى أنه يحمل معها عمرًا كاملًا من الأحلام حاولت أن تخفي دموعها وهي تقول له: اذهب يا بني… لكن لا تجعل الغربة تنسيك الطريق إلى البيت.
ابتسم جاد، لكنه لم يجد جوابًا كان يعرف أن السفر ليس رحلة سياحية، بل قرار فرضته الظروف وبينما كانت الطائرة ترتفع في السماء، كانت والدته تردد في سرها دعاءً يعرفه آلاف الآباء والأمهات في لبنان: أن يعود الأبناء يومًا، لا زائرين، بل مستقرين في وطنهم.
مفترق طرق بين حلمين
هذه ليست قصة جاد وحده، بل قصة جيل كامل يعيش بين حلمين متناقضين؛ حلم البقاء في وطن يحبه، وحلم الهجرة بحثًا عن حياة أكثر استقرارًا.
ولعل هذا هو أحد أكثر الأسئلة إيلامًا في لبنان اليوم: لماذا أصبح كثير من الشباب يرون المستقبل خارج الحدود، رغم أن قلوبهم ما زالت معلقة بجباله وبحره وقراه؟
ليس لأنهم أقل حبًا لوطنهم، بل لأنهم يريدون أن يعيشوا بكرامة، وأن يجدوا فرصة تحقق لهم ما درسوا من أجله، وما حلموا به منذ طفولتهم.
لقد كان الشباب اللبناني، عبر عقود طويلة، أحد أهم عناصر قوة البلاد فقد اشتهروا بالمستوى التعليمي المرتفع، وإتقان اللغات، وروح المبادرة، والقدرة على التكيف مع مختلف البيئات ولم يكن غريبًا أن ينجح الطبيب اللبناني في مستشفى عالمي، أو المهندس في شركة دولية، أو رائد الأعمال في تأسيس مشروع ناجح في قارة بعيدة.
لكن هذه الصورة المشرقة حملت في داخلها مفارقة مؤلمة فكل نجاح يحققه شاب لبناني في الخارج يثير سؤالًا صامتًا :ماذا لو وجد هذه الفرصة في وطنه؟
جذور الأزمة الاقتصادية
منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية عام 2019، دخل لبنان واحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث فقد تراجعت قيمة العملة الوطنية بصورة حادة، وارتفعت معدلات التضخم، وتقلصت فرص العمل، وأصبحت رواتب كثيرة غير قادرة على تغطية الاحتياجات الأساسية.
وأشارت تقارير البنك الدولي إلى أن لبنان شهد أحد أشد الانهيارات الاقتصادية عالميًا في العصر الحديث، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على فئة الشباب.
أمام هذا الواقع، وجد آلاف الخريجين أنفسهم أمام خيارين كلاهما صعب إما البقاء في وطنهم مع فرص محدودة، أو السفر إلى المجهول بحثًا عن بداية جديدة.
لذلك، ازدحمت مكاتب استخراج جوازات السفر، وامتلأت منصات التوظيف بالسير الذاتية، وتحولت المطارات إلى محطات وداع متكررة، حتى أصبحت صور العائلات وهي تلوح لأبنائها مشهدًا مألوفًا في حياة كثير من اللبنانيين.
خليط من الأمل والوجع
لكن الهجرة، بالنسبة للشاب اللبناني، ليست دائمًا حلمًا خالصًا إنها خليط من الأمل والوجع.
فهو يترك بيتًا اعتاد أن يستيقظ فيه على صوت والدته، ويغادر شارعًا يعرف تفاصيله، ومقهى يجلس فيه مع أصدقائه، وقرية تحفظ اسمه منذ طفولته يأخذ معه شهاداته وبعض الصور، لكنه يترك خلفه جزءًا من روحه.
لهذا، فإن كثيرًا من اللبنانيين في الاغتراب لا يتحدثون عن “الوطن السابق”، بل عن “الوطن المنتظر” ،الوطن الذي يأملون أن يعودوا إليه يومًا عندما تسمح الظروف.
خيار البقاء والمقاومة بالإبداع
ورغم موجات الهجرة، لا يزال هناك شباب اختاروا طريقًا مختلفًا.
اختاروا البقاء ليس لأن الطريق أسهل، بل لأنهم يؤمنون أن الأوطان لا تُبنى إذا غادرها الجميع.
في قرى البقاع والشمال والجنوب، وفي أحياء بيروت وطرابلس وصيدا، نجد شبابًا أطلقوا مشروعات زراعية صغيرة، أو أسسوا شركات ناشئة، أو أعادوا إحياء صناعات تقليدية، أو استثمروا في التكنولوجيا والعمل عن بُعد، مستفيدين من مهاراتهم واتصالهم بالعالم الرقمي.
قد لا تحقق هذه المشروعات أرباحًا كبيرة في بدايتها، لكنها تحمل رسالة مهمة: أن الإبداع يمكن أن يولد حتى في أصعب الظروف.
كما لعبت التكنولوجيا دورًا لافتًا في تغيير حياة كثير من الشباب اللبناني فقد أتاحت لهم فرص العمل الحر مع شركات ومؤسسات خارج لبنان، دون مغادرة وطنهم، وهو ما ساعد بعضهم على الاستمرار داخل البلاد، مع الحفاظ على مصادر دخل مرتبطة بالاقتصاد العالمي.
مبادرات شبابية وإحداث تغيير إيجابي
كما ظهرت مبادرات شبابية في مجالات البيئة، والتعليم، وريادة الأعمال، والعمل التطوعي، أثبتت أن الشباب لا يزالون يؤمنون بقدرتهم على إحداث تغيير إيجابي، حتى وإن كان تدريجيًا.
ولا يمكن الحديث عن الشباب اللبناني دون الإشارة إلى دور الجامعات فعلى الرغم من التحديات الاقتصادية، ما زالت الجامعات اللبنانية تخرّج كفاءات تحظى بتقدير واسع في مختلف أنحاء العالم.
وقد ساهم هذا المستوى العلمي في تعزيز قدرة الشباب على المنافسة في أسواق العمل الدولية، لكنه في الوقت نفسه زاد من وتيرة هجرة العقول، إذ وجدت الكفاءات فرصًا أفضل خارج البلاد.
هنا تكمن المفارقة فلبنان ينجح في إعداد شباب متميزين، لكنه يواجه صعوبة في الاحتفاظ بعدد كبير منهم.
ولا تقتصر التحديات على الجانب الاقتصادي فالأزمات المتلاحقة، واعتداءات الكيان المتكررة على مناطق لبنانية، وما يرافقها من نزوح وخسائر مادية وبشرية، تركت آثارًا نفسية عميقة في نفوس الشباب فكثير منهم عاش أكثر من أزمة خلال سنوات قليلة، وهو ما ولد شعورًا بالقلق تجاه المستقبل، دون أن يقتل فيهم الرغبة في الحياة.
بل إن اللافت أن كثيرًا من المبادرات التطوعية التي شهدها لبنان في السنوات الأخيرة كان يقودها شباب.
بعد انفجار مرفأ بيروت، كان آلاف المتطوعين من مختلف المناطق والأديان والخلفيات الاجتماعية يعملون جنبًا إلى جنب لإزالة الركام، وتوزيع المساعدات، ومساندة الأسر المتضررة وفي أوقات الأزمات الإنسانية، شارك الشباب في حملات التبرع بالدم، ودعم المدارس، وتنظيم الأنشطة النفسية للأطفال، وتقديم المساعدات للمسنين.
لقد أثبتوا أن حب الوطن لا يقاس فقط بالبقاء فيه، بل أيضًا بخدمة أهله، أينما كانوا.
حلم الهجرة لا يعني دائمًا التخلي عن الوطن
ومن الإنصاف أن نقول إن حلم الهجرة لا يعني دائمًا التخلي عن الوطن فكثير من الشباب الذين غادروا لبنان ظلوا يحملونه في قلوبهم يرسلون الدعم إلى أسرهم، ويشاركون في مبادرات خيرية، ويعودون كلما سنحت الفرصة، ويحلمون باليوم الذي يستطيعون فيه نقل خبراتهم واستثماراتهم إلى بلدهم.
إنهم لا يهاجرون من لبنان، بل يهاجرون من أزماته وهناك فرق كبير بين الأمرين.
فحب الوطن لا يقاس بعدد الأيام التي يقضيها الإنسان داخله، بل بمقدار حضوره في وجدانه، واستعداده للعطاء من أجله.
التحدي الأكبر أمام لبنان
ولعل التحدي الأكبر أمام لبنان في السنوات المقبلة لن يكون فقط في الحد من هجرة الشباب، بل في توفير بيئة تمنحهم سببًا حقيقيًا للبقاء من بيئة تفتح لهم أبواب العمل، وتشجع الابتكار، وتحترم الكفاءة، وتمنح الطموح فرصة عادلة للنمو.
فالأوطان لا تخسر عندما يسافر أبناؤها طلبًا للعلم أو الخبرة، لكنها تخسر عندما يصبح السفر هو الخيار الوحيد الممكن.
إن شباب لبنان ليسوا جيلًا هاربًا من المسؤولية، بل جيلًا يبحث عن فرصة تليق بقدراته، وعن وطن يستطيع أن يحلم فيه دون أن يضطر إلى حمل أحلامه على متن طائرة.
وربما يأتي يوم يعود فيه جاد، ذلك الشاب الذي ودعته أمه في المطار، ليجد أن الطريق إلى البيت لم يعد طريقًا للزيارة فقط، بل طريقًا للاستقرار والعمل وصناعة المستقبل.
وعندها، لن يكون السؤال: لماذا هاجر شباب لبنان؟
بل سيكون: كيف استطاع هذا الوطن أن يستعيد أبناءه، لأنهم وجدوا فيه ما كانوا يبحثون عنه منذ البداية؟
فالشباب هم أكثر من يحلم بالمستقبل، والوطن الذي يمنحهم سببًا للبقاء، لا يحافظ على أبنائه فحسب، بل يحافظ على أجمل ما يملكه… وهي القدرة على أن يبدأ غده من داخل حدوده، لا من بوابات مطاراته.
فلبنان، مهما أثقلته الجراح، يبقى وطنًا يكتب تاريخه بالحياة أكثر مما كتبته الحروب.
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية









