يوميات وطن ينزف (37) كبار السن في لبنان… ذاكرة تمشي على الأرض

في ظل الأزمات المتعاقبة التي تعصف بلبنان، يبرز كبار السن ليس فقط كفئة عمرية تحتاج إلى الرعاية، بل كذاكرة حية وجذور عميقة تروي قصة وطن ينزف ولكنه يرفض الاستسلام، حاملين في قلوبهم الحكايات والثبات ليكونوا الجسر الواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل.
معنة نجاة صورة من انفجار مرفأ بيروت
في أحد أحياء بيروت القديمة، وبعد أيام من انفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020، كان متطوعون يساعدون السكان على إزالة الزجاج المتناثر وإصلاح ما يمكن إصلاحه وبينما انشغل الجميع برفع الأنقاض، جلس رجل تجاوز الثمانين من عمره أمام منزله المتهدم، ممسكًا بإطار صور قديم نجا بأعجوبة من الانفجار.
اقترب منه أحد الشباب وسأله: “هل فقدت أحدًا؟” ابتسم الرجل ابتسامة امتزج فيها الحزن بالرضا، ثم قال: “الحمد لله… بقيت الصور فهذه الصور ليست ورقًا… بل حياة. لم يكن يقصد الصور وحدها كان يقصد الذكريات كان يقصد العمر الذي لا يمكن تعويضه. وكان يقصد أن الإنسان، كلما تقدم به العمر، لم يعد يحمل في جيوبه المال بقدر ما يحمل في قلبه الحكايات.
ذاكرة تمشي على الأرض
هكذا هم كبار السن في لبنان،إنهم ليسوا مجرد أشخاص تجاوزوا سنًا معينة، بل هم ذاكرة تمشي على الأرض، وكتب مفتوحة لم تُكتب كلماتها بالحبر، وإنما كتبتها الأيام، وحفظتها التجارب، وصقلتها الأزمات.
وحين يريد الإنسان أن يفهم وطنًا مثل لبنان، فإن أفضل مكان يبدأ منه ليس المتاحف، ولا الكتب، ولا الوثائق الرسمية، بل الجلوس إلى جوار رجل مسن في إحدى القرى، أو إلى جانب امرأة تجاوزت السبعين وهي تحضر القهوة لأحفادها.
كبار السن مرجعية الهوية وصناع الطمأنينة في الأسرة اللبنانية
في لبنان، لا يعيش كبار السن على هامش المجتمع كما يحدث في كثير من الأماكن، بل يظلون جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.
الجد لا يزال مستشار الأسرة ، والجدة لا تزال حافظة الوصفات، وراوية القصص، ومرجع العائلة في المناسبات والعادات.
وربما لهذا، لا يشعر الطفل اللبناني بأنه يعرف تاريخ وطنه من الكتب وحدها، بل من خلال الحكايات التي يسمعها في بيت جده.
حكايات عن قرية كانت تضيء بالفوانيس.
وعن موسم الزيتون حين كانت العائلات تتسابق في الحقول. وعن ليالٍ كان الجيران يجتمعون فيها حول موقد واحد، يتبادلون الأحاديث حتى يغلبهم النعاس.
وعن بحر كان أكثر هدوءًا، ومدن كانت أكثر جمالا، ووجوه لم تعد موجودة إلا في الصور.
هذه القصص لا تنقل المعلومات فقط، بل تنقل الهوية.
لهذا، فإن كبار السن في لبنان يمثلون الرابط الحي بين الماضي والحاضر.
محطات تاريخية وتحديات كبيرة
لقد عاش كثير منهم محطات تاريخية متعاقبة، وشهدوا تحولات كبيرة في المجتمع، وعرفوا كيف تبدلت المدن والقرى، وكيف تغيرت أنماط الحياة، وكيف مرت البلاد بأزمات كثيرة، لكنها بقيت تبحث دائمًا عن فرصة جديدة للنهوض.
وحين يتحدث أحدهم عن حياته، لا يروي قصة شخص واحد، بل يروي قصة وطن كامل.
لكن السنوات الأخيرة لم تكن سهلة عليهم.
فالانهيار الاقتصادي الذي شهده لبنان ترك أثرًا بالغًا على كبار السن، خصوصًا أولئك الذين يعتمدون على معاشات تقاعدية أو مدخرات تراجعت قيمتها بصورة كبيرة وأصبح كثير منهم يواجهون صعوبات في تأمين احتياجاتهم الأساسية، من الغذاء والدواء والرعاية الصحية.
كما أن تقارير الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية تشير إلى أن كبار السن من أكثر الفئات احتياجًا إلى الرعاية خلال الأزمات، لأنهم غالبًا ما يعانون أمراضًا مزمنة تتطلب متابعة مستمرة، في وقت تؤثر فيه الضغوط الاقتصادية على إمكانية الحصول على العلاج والخدمات الصحية.
تجربة مريرة للوداع أكثر من مرة
ولم تتوقف التحديات عند الجانب الاقتصادي فكثير من كبار السن عاشوا تجربة الوداع أكثر من مرة.
- ودعوا أبناء سافروا بحثًا عن فرص عمل.
- وودعوا أحباء رحلوا عن الدنيا.
- وشاهدوا بيوتًا تغيرت، وأحياءً فقدت كثيرًا من وجوهها القديمة.
ومع ذلك، ظلوا يحاولون أن يزرعوا الطمأنينة في نفوس من حولهم.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في شخصية كبار السن اللبنانيين هو قدرتهم على بث الأمل، رغم أنهم الأكثر معرفة بحجم المعاناة.
فحين يقلق الأحفاد على المستقبل، يكون الجد أول من يقول: مرت علينا أيام أصعب… وستمر هذه أيضًا.
قد تبدو الجملة بسيطة، لكنها تمنح الأسرة شعورًا بأن الأزمات، مهما طالت، ليست قدرًا دائمًا.
وهنا يظهر الدور النفسي الذي يقوم به كبار السن.
إنهم لا يقدمون حلولًا اقتصادية، ولا يملكون مفاتيح السياسة، لكنهم يمنحون العائلة شيئًا لا يقل أهمية عن ذلك كله؛ يمنحونها الثبات.
وفي كثير من البيوت اللبنانية، لا تزال الجدة هي من تجمع الأسرة حول مائدة الغداء كلما استطاعت، وتحرص على أن يبقى البيت مفتوحًا للأبناء والأحفاد، لأن الاجتماع في نظرها ليس عادة اجتماعية فحسب، بل وسيلة لحماية العائلة من التشتت.
أما الجد، فيحرص على اصطحاب أحفاده إلى الحقول، أو إلى البحر، أو إلى الكنيسة أو المسجد، أو إلى الأسواق القديمة، ليعرّفهم بالأماكن التي صنعت ذكرياته، وكأنه يقول لهم دون كلمات: “لا تدعوا الزمن يسرق منكم جذوركم“
ورغم التقدم الكبير في التكنولوجيا، لا يزال كثير من الشباب اللبنانيين يكتشفون أن أكثر ما يمنحهم الشعور بالطمأنينة هو الجلوس مع أجدادهم.
هناك يتعلمون الصبر ويتعلمون أن الحياة ليست سباقًا سريعًا، بل رحلة طويلة، فيها الفرح كما فيها الحزن.
ويتعلمون أن الإنسان لا يقاس بما يملك، بل بما يتركه من أثر طيب في حياة الآخرين.
لكن الحقيقة المؤلمة أن كبار السن هم أيضًا من أكثر الفئات عرضة للوحدة فالهجرة التي دفعت آلاف الشباب إلى مغادرة لبنان جعلت كثيرًا من الآباء والأمهات يعيشون بعيدًا عن أبنائهم، ينتظرون مكالمة هاتفية، أو زيارة في العيد، أو رسالة تطمئنهم بأن أبناءهم بخير.
وليس هناك ما يؤلم قلب الأب أو الأم أكثر من أن يتحول حضن الأبناء إلى شاشة هاتف.
ورغم ذلك، يواصلون الدعاء لهم، ويفرحون بكل نجاح يحققونه، حتى وإن كان بعيدًا عن الوطن لإن حبهم لا يعرف المسافات.
حماية الذاكرة الإنسانية للوطن عبر المبادرات المجتمعية
وقد أثبتت المبادرات المجتمعية في لبنان خلال السنوات الأخيرة أهمية الالتفات إلى هذه الفئة، من خلال برامج الدعم الصحي، والزيارات المنزلية، والأنشطة الاجتماعية التي تساعد كبار السن على الحفاظ على صحتهم النفسية والجسدية، وتمنحهم فرصة للاستمرار في المشاركة في الحياة العامة، لا أن يكونوا مجرد متلقين للرعاية.
فالمجتمع الذي يحترم كباره، لا يحفظ الماضي فقط، بل يحمي مستقبله أيضًا.
لأن الخبرة لا تُختزل في الكتب، والحكمة لا تُقاس بعدد الشهادات، بل بعدد المواقف التي عاشها الإنسان، وكيف خرج منها أكثر فهمًا للحياة.
وربما لهذا السبب، فإن أكبر خسارة قد يتعرض لها أي مجتمع ليست فقدان مبنى تاريخي، بل فقدان ذاكرته الإنسانية.
وكبار السن هم أمناء هذه الذاكرة يحفظون أسماء الأزقة القديمة ويتذكرون وجوه من رحلوا ويعرفون لماذا زرعت تلك الشجرة في ساحة القرية ولماذا سُمّي ذلك الشارع بهذا الاسم وكيف كانت الحياة قبل أن تتغير.
إنهم الجسر الذي يربط الأجيال ببعضها، حتى لا يبدأ كل جيل من الصفر.
وحين نمنحهم الاحترام والرعاية، فإننا لا نقدم لهم معروفًا، بل نرد جزءًا صغيرًا من جميل سنوات طويلة قضوها في بناء أسرهم ومجتمعهم ووطنهم.
فالأوطان لا تُبنى بالشباب وحدهم، كما أنها لا تعيش على الذكريات وحدها.
إنها تحتاج إلى حيوية الشباب، وإلى حكمة الكبار، وإلى الحوار الذي يجعل الخبرة تنتقل من جيل إلى آخر، دون أن تضيع في زحام الحياة.
فكبار السن ليسوا صفحات من الماضي أغلقت، بل جذور ما زالت تغذي الشجرة بالحياة وما دام في لبنان جد يروي الحكاية، وجدة تحفظ الدعاء، فإن هذا الوطن لن يفقد ذاكرته، ولن يعجز عن أن يجد طريقه إلى الغد، مهما تعقدت الطرق.
فلبنان، مهما أثقلته الجراح، يبقى وطنًا يكتب تاريخه بالحياة أكثر مما كتبته الحروب
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية








