أراء وقراءات

ميثاق المودة والسكينة.. دستور الإستقرار الأسري

كتب – الدكتور أمين رمضان

هذا المقال الذي صغته في شكل “ميثاق أسري”، ليكون بمثابة دستور أخلاقي بسيط وعملي، يجمع بين روح التقوى التي يمكن أن تنبت في قلب الإنسان خلال شهر رمضان، ومتطلبات الواقع، ويصلح كبداية قوية لأي زوجين في مستهل حياتهما، ويصلح أيضاً لأي زوجين يمران بظروف عصيبة تهدد أمن واستقرار البيت وسلامة الأطفال.

بما أننا في زمن تتسارع فيه وتيرة الخلافات، وتكثر فيه التدخلات التي تهدم البيوت، وقد لاحظت أن معظم المشاكل الأسرية تأتي معظم عواصفها من خارج البيت، سواء من أهل الزوج، أو أهل الزوجة، أو الصديقات والأصدقاء، فإن هذا الميثاق ليس مجرد كلمات، بل هو “صَمََام أمان” يُبنى على مراقبة الله قبل مراقبة القانون.

أولاً: دستور “الله ثالثنا”

  • المبدأ: ندرك معنى أن الزواج ميثاق غليظ، وأن الله هو الشاهد الأول عليه.
  • التطبيق: عند الغضب، نستحضر أن الله يرانا. لا يظلم القوي منا الضعيف، ولا يستغل أحدنا ثقة الآخر ليؤذيه، فالتقوى هنا هي “الرقيب الذاتي” الذي يمنع التجاوز في حق الشريك.

ثانياً: فقه “ولا تنسوا الفضل بينكم”

  • المبدأ: الفضل فوق الحق، والإحسان قبل القانون.
  • التطبيق: في حالات الاختلاف، لا نبحث عما “يفرضه القانون” فقط، بل نبحث عما “يمليه الفضل والمعروف والعفو”. إذا أخطأ أحدهم، بادر الآخر بالصفح، تذكراً لقوله تعالى:

           {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} (البقرة: 237).

ثالثاً: مدرسة “إني صائم” (ضبط النفس)

  • المبدأ: المشاكل الزوجية وقودها الكلمات الطائشة، والعلاج في الصمت الحكيم.
  • التطبيق: نلتزم في لحظات الانفعال الشديد بآداب الصيام، ونستمر في ممارسة هذه الآداب طوال العام؛ نمسك ألسنتنا عن التجريح، ونؤجل النقاش الحاد حتى تهدأ النفوس، ولا نتخذ قراراتنا عند الغضب، حتى لا نندم عليها بعد ذلك. الصيام علّمنا أننا نملك القدرة على منع أنفسنا عما نشتهي، ومن أولى تلك الشهوات “شهوة الانتصار في الجدال”.

رابعاً: حصانة “البيوت أسرار”

  • المبدأ: التقوى تقتضي حفظ الأمانة، وأعظم الأمانات ما يدور خلف الأبواب المغلقة.
  • التطبيق: نلتزم ألا تخرج أسرار بيتنا إلى أهل أو أصدقاء إلا في حدود الضرورة القصوى للإصلاح، وبإذن الطرفين إن توفر ذلك. فإفشاء السر هو أول معول لهدم جدار الثقة.

خامساً: الإنصاف عند “ساعة العسرة”

  • المبدأ: إذا استحال الاستمرار، فليكن الفراق بـ “تقوى” لا بـ “انتقام”.
  • التطبيق: نعد الله ونعد أنفسنا، أنه في حال وقوع شقاق، لن يكون القضاء هو ساحة لتصفية الحسابات، بل تكون التقوى هي الميزان الذي نرد به الحقوق لأصحابها، مع حفظ كرامة الطرف الآخر وصيانة مستقبل الأبناء.

﴿وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِیضَةࣰ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّاۤ أَن یَعۡفُونَ أَوۡ یَعۡفُوَا۟ ٱلَّذِی بِیَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوۤا۟ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلۡفَضۡلَ بَیۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرٌ﴾ [البقرة ٢٣٧]. توضح الآية أن العفو أقرب للتقوى، وليس هو التقوى، ياله من تعبير يحث النفوس حثاً على محاولة الوصول للتقوى خصوصاً عند الطلاق.

كلمة للمتزوجين حديثاً:

تذكرا دائماً أن “القانون” قد يأتيك بحقك المادي، لكنه قد يترك في قلبك غلاً وحقداً وجرحاً. أما “التقوى” فهي تأتيك بحقك ومعها طمأنينة النفس وراحة البال. أتعجب من حالنا في الواقع، الغالبية من البيوت التي بدأت بعقد على سنة الله ورسوله، تكون خلافاتها على سنة شياطين الإنس والجن، ظلم وانتقام وفجور في الخصومة.

“البيت الذي يُبنى على تقوى من الله ورضوان، لا ينهار أمام أعاصير الحياة.”

 

الدكتور / أمين رمضان

12 رمضان 1447 هـ / 2 مارس  2026 م

 

زر الذهاب إلى الأعلى