الصورة كسلاح: كيف تصنع اللقطة رأيًا عامًا؟

بقلم / الدكتورة هناء خليفة
في زمن الحروب، لم تعد المعركة تُحسم فقط على الأرض، بل تُحسم أيضًا في الوعي.. الصورة اليوم ليست مجرد توثيق للحظة، بل أداة تأثير، ورسالة مشحونة، وسلاحًا ناعمًا يعيد تشكيل الإدراك الجمعي.
فقد ينسى الجمهور عشرات التقارير المكتوبة، لكن لقطة واحدة قد تظل عالقة في الذاكرة لسنوات.
*لماذا تُقنع الصورة أكثر من الكلمات؟
العقل البشري يتفاعل بصريًا قبل أن يُحلل منطقيًا.. الصورة تختصر المسافة بين الحدث والمشاعر، هي لا تطلب منك تفسيرًا… بل تفرض عليك إحساسًا.
عندما تُعرض صورة لطفل تحت الأنقاض، أو مدينة مدمّرة، لا يبدأ المتلقي بالتفكير السياسي أولًا، بل يتفاعل إنسانيًا.. وهنا تكمن القوة.
*اللقطة ليست بريئة دائمًا
في التغطيات الحربية، اختيار الصورة ليس عشوائيًا.. أي زاوية تُلتقط؟ أي لحظة تُعرض؟ أي مشهد يُعاد بثه عشرات المرات؟
الانتقاء البصري يصنع سردية..إبراز الألم من جانب واحد، أو إخفاء مشهد من جانب آخر، يُعيد رسم خريطة التعاطف في عقل الجمهور.
الصورة قد لا تكذب، لكنها قد لا تحكي القصة كاملة.
*التكرار يصنع القناعة
في الإعلام الحديث، الصورة لا تُعرض مرة واحدة، بل تُعاد وتُقتطع وتُشارك عبر المنصات، ومع كل إعادة عرض، تتحول من حدث إلى “رمز”، والرمز يصبح موقفًا، والموقف يتحول إلى رأي عام.
هكذا تُبنى القناعات… بصريًا.
*أخلاقيات عرض الألم
السؤال الصعب: هل كل ما يُوثّق يجب أن يُعرض؟
نشر صور الضحايا قد يوقظ الضمير العالمي، لكنه قد يُطبع العنف في وعي الأطفال، أو يحوّل المأساة إلى استهلاك بصري.
الإعلام هنا يقف بين حق الجمهور في المعرفة، وحق الضحية في الكرامة.
*كيف نحمي وعينا كمشاهدين؟
عند مشاهدة صورة صادمة، اسأل نفسك: ماذا أرى فعلًا؟ ماذا لا أرى؟ من اختار هذه الزاوية؟ ولماذا الآن؟
ليست كل صورة دعوة للانحياز، لكن كل صورة دعوة للتفكير.
وختاماً.. الحرب لا تُدار فقط بالأسلحة
في عصر الصورة، قد تُطلق رصاصة في الميدان، لكن تُطلق عشرات الرسائل عبر الشاشة.
الحرب اليوم لا تُدار فقط بالأسلحة،بل باللقطات، والرأي العام لا يتشكل فقط بالمواقف السياسية، بل بالصورة التي تسبقها.
لهذا، لم تعد الكاميرا مجرد أداة توثيق.. بل أصبحت فاعلاً أساسياً في صناعة المعركة.
دكتورة هناء خليفة
دكتوراة في الإعلام من كليه الآداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي




