المجتمع

حكاية “الحاجة فاطمة”.. مدفع رمضان بين التاريخ والذاكرة

الحكاية بدأت في مصر وانتقلت لعدة دول

كتبت – د.هيام الإبس

في ذاكرة المصريين، كما في وجدان شعوب عربية وإسلامية كثيرة، يجيء شهر رمضان محمّلاً بروائح الطفولة، ودفء البيوت القديمة، وصوت المسحراتي وهو يشق سكون الليل بندائه، وبصوتٍ آخر لا يقل حضوراً وهيبة: دويّ مدفع الإفطار، ذلك الصوت الذي لم يكن مجرد إشارة زمنية تعلن انقضاء ساعات الصوم، بل كان لحظة روحية جامعة، تختلط فيها رهبة الانتظار بفرحة اللقاء، وتلتقي فيها الأرض بالسماء في لحظة أذان المغرب.

على عكس أصوات القذائف المعتادة، فصوت “مدفع رمضان” هو صوت محبب للمسلمين إذ يرتبط بشعائر الشهر الكريم ويعلن لحظة الإفطار للصائمين بعد يوم صيام طويل. من هنا أصبح المدفع جزءاً لا يتجزأ من الطقوس الرمضانية في العديد من الدول، ويمثل سمة مميزة للاحتفالات في هذا الشهر الفضيل.

لكن ما قصة هذا التقليد الذي استمر منذ قرون وما علاقة المدفع بموعد الإفطار؟

تختلف الروايات حول ظهور تقليد مدفع رمضان ولكن الرواية الأشهر تعود إلى زمن والي مصر محمد علي الكبير كان قد اشترى عدداً كبيراً من المدافع الحربية الحديثة في إطار خطته لبناء جيش مصري قوي، وفي يوم من الأيام الرمضانية كانت تجري الاستعدادات لإطلاق أحد هذه المدافع كنوع من التجربة، فانطلق صوت المدفع مدوياً في نفس لحظة غروب الشمس و أذان المغرب من فوق القلعة الكائنة حاليًا في نفس مكانها في حي مصر القديمة جنوب القاهرة.

تصور الصائمون حينها أن هذا فن رمضاني جديد وسألوا الحاكم أن يستمر هذا التقليد خلال شهر رمضان في وقت الإفطار والسحور، فأعجب بالفكرة ووافق على الأمر وتحول إطلاق المدفع بالذخيرة الحية مرتين يومياً إلى ظاهرة رمضانية مرتبطة بالمصريين كل عام، ولم تتوقف إلا خلال فترات الحروب العالمية.

بينما تنسب رواية أخرى الحدث لخطأ غير مقصود في عهد الخديوي إسماعيل عام 1871، حين كان الجنود يقومون بصيانة أحد المدافع لتنطلق على إثرها قذيفة دوت في سماء القاهرة، وتزامن ذلك مع وقت أذان المغرب في أحد أيام رمضان.

مدفع “الحاجة فاطمة”

أما في رواية أخرى عن أصل المدفع، والتي ارتبط بها اسمه “الحاجة فاطمة” فهي ترجع إلى عام 859 هجرية. ففي هذا العام كان يتولى الحكم في مصر والٍ عثماني يدعى “خوشقدم”، وكان جنوده يقومون باختبار مدفع جديد جاء هدية للسلطان من صديق ألماني، وكان الاختبار يتم أيضاً في وقت غروب الشمس، فظن المصريون أن الأمر مقصود، وأن السلطان استحدث هذا التقليد الجديد لإبلاغ المصريين بموعد الإفطار.

لكن في اليوم التالي لم يطلق المدفع في موعد أذان المغرب، فتوجه الأهالي إلى قصر الحاكم مطالبين بإطلاق المدفع، ولكون القاهرة مدينة مترامية الأطراف فإن الأذان لا يسمع فيها بنفس التوقيت، فاستحسن الأهالي فكرة إطلاق المدفع في وقت الغروب، ليكون إشارة على بدء موعد الإفطار.

لم يجد الأهالي السلطان في القصر حينها، فالتقوا زوجته التي كانت تدعى “الحاجة فاطمة” التي نقلت طلبهم للسلطان، فوافق عليه مباشرة. من هنا أطلق الأهالي اسم “الحاجة فاطمة” على المدفع، واستمر هذا الأمر حتى يومنا هذا؛ إذ يلقب الجنود القائمون على تجهيز المدفع وإطلاقه الموجود حالياً بنفس الاسم.

5 مدافع بالقاهرة 

ورغم تغيّر المدفع الذي يطلق قذيفة الإعلان عن موعد الإفطار أو الإمساك عدة مرات، إلا أن اسمه “الحاجة فاطمة” لم يتغير، فقد كان المدفع الأول إنجليزيًا، ثم تحول إلى ألماني ماركة كروب، ومؤخراً أصبحت تطلق خمسة مدافع مرة واحدة من خمسة أماكن مختلفة بالقاهرة، حتى يسمعه كل سكانها، لكن أدى اتساع وكبر حجم العمران وكثرة السكان وظهور الإذاعة والتليفزيون إلى الاستغناء تدريجياً عن مدافع القاهرة، والاكتفاء بمدفع واحد يتم سماع طلقاته من الإذاعة أو التليفزيون.

كما أدى توقف المدفع في بعض الأعوام عن الإطلاق بسبب الحروب واستمرار إذاعة تسجيل له في الإذاعة إلى إهمال عمل المدفع حتى عام 1983، عندما صدر قرار من وزير الداخلية بإعادة إطلاق المدفع مرة أخرى، ومن فوق قلعة صلاح الدين الأثرية جنوب القاهرة، بيد أن استمرار شكوى الأثريين من تدهور حال القلعة وتأثر أحجارها بسبب صوت المدفع قد أدى لنقله من مكانه، خصوصاً أن المنطقة بها عدة آثار إسلامية مهمة.

ويستقر المدفع الآن فوق هضبة المقطم، وهى منطقة قريبة من القلعة، ونصبت مدافع أخرى في أماكن مختلفة من المحافظات المصرية، ويقوم على خدمة “الحاجة فاطمة” أربعة من رجال الأمن الذين يعدون البارود كل يوم مرتين لإطلاق المدفع لحظة الإفطار ولحظة الإمساك .

المدفع الرمضاني ينتقل إلى دول اخرى 

وبعد نجاح التجربة في مصر، انتقلت الفكرة إلى عدة دول إسلامية، حيث اعتمدتها إسطنبول في العهد العثماني كما بدأت الفكرة تنتشر في أقطار البلاد العربية، فلاقى طريقه إلى القدس وسوريا وكان السوريون  مثابرين على هذا التقليد في غالبية المدن، وخصوصاً دمشق وحلب وحماة، حيث كانت المدافع تنصب على القلاع الأثرية في تلك المدن ليكون دوي المدفع واضحاً ومسموعاً لغالبية السكان وكان يطلق عليه في سوريا (دويّ الطوّب)، ليعلن عن بدء موعد الإفطار.

كما وصل إلى بغداد في العراق في أواخر القرن التاسع عشر، ثم انتقل إلى كافة أقطار الخليج الدول مثل السعودية والكويت والإمارات، وظل تقليد إطلاق المدفع قائمًا حتى يومنا هذا، بينما توقف في بعض الأماكن بسبب تطور وسائل الإعلام والتنبيه الحديثة.

وأيا كانت الرواية الأصح تاريخياً، فإن المؤكد أن التقليد انطلق من مصر وانتشر منها إلى بلدان عربية وإسلامية عدة، فقد وصل إلى أبرز مدن بلاد الشام دمشق والقدس ومنها امتد إلى قلب المناطق العثمانية على الجانب الأوروبي من مضيق البوسفور، بما في ذلك إسطنبول ودول البلقان، ثم إلى بغداد في أواخر القرن التاسع عشر، ومنها إلى الكويت عام 1907 في عهد الشيخ مبارك الصباح، وقد تبنّت الدولة السعودية هذا التقليد قبل أكثر من 80 عاما بعد سيطرتها على المدينتين المقدستين مكة والمدينة في عشرينيات القرن العشرين.

ثم أُدخل هذا التقليد إلى الشارقة (إحدى إمارات دولة الإمارات العربية المتحدة) خلال حكم صقر بن سلطان القاسمي (1951–1965)، وإلى دبي في ستينيات القرن الماضي على يد راشد بن سعيد آل مكتوم (1958–1990). كما يرد توثيق لهذه الممارسة في دول أخرى من شبه الجزيرة العربية مثل قطر واليمن والبحرين.

أيضاً ملاحظة وصول هذا التقليد إلى المناطق ذات الأغلبية المسلمة في شبه القارة الهندية ومنها إلى شرق آسيا، حيث عُرف في إندونيسيا عام 1944، وكذلك في بعض دول غرب أفريقيا، وهكذا تحوّل المدفع من تقليد محلي إلى ظاهرة رمضانية عابرة للحدود.

توقيتات العصر الحديث

ومع دخول القرن الحادي والعشرين، شهدت وسائل التنبيه لمواعيد الإفطار والسحور تطوراً غير مسبوق، فالتطبيقات الذكية على الهواتف المحمولة باتت توفر مواقيت دقيقة بحسب الموقع الجغرافي، وترسل إشعارات قبل الأذان بدقائق، بل وتتيح اختيار صوت المؤذن المفضل.

وأصبحت الساعات الذكية تهتز على المعصم عند دخول الوقت، بينما تضيء الشاشات برسائل تهنئة رمضانية، كما تعتمد بعض المدن على لوحات إلكترونية ضخمة في الشوارع تعرض العد التنازلي لموعد الإفطار، في مشهد يمزج بين التقنية والطقس الديني.

فقد تتبدل الأدوات، لكن روح رمضان عند الكثير من المسلمين تبقى أعمق من كل تقنية، وأقوى من كل تطور، فالمدفع، سواء دوّى في السماء أو حاكى صوته تطبيقٌ إلكتروني، سيظل في الذاكرة رمزاً لفرحة جماعية لا يُعلنها الوقت وحده، بل تعلنها القلوب قبل الساعات.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى