الصراط المستقيم

الصيام شعيرة … والتقوى قيمة

كتب – الدكتور أمين رمضان

الدين شرائع، وشعائر، وقيم (أخلاق)، ومعاملات. الشعائر في الإسلام، مثل الصلاة والصيام والحج والزكاة، علاقة بين العبد وربه تستمر معه عبر العمر كله، وفي كل أحواله، وكل شعيرة لها أركان وسنن وأحكام محددة، ولها غايات تتكامل معاً الغاية الكبرى من الدين، وهي فلاح الفرد في الدنيا والآخرة، وسعادة المجتمع في الدنيا، لأن الحساب يوم القيامة فردي. ولن تتحقق هذه الغاية بمجرد الأداء الشكلي للشعيرة، لكن بتحقيق أركانها، وروح أدائها، فهي التي تبعث فيها الحياة، التي تحقق الغاية وتؤتي الثمار التي يحتاجها المجتمع، ليعيش في سلام وازدهار وأمان.

قال تعالى عن الصلاة:

﴿وَٱسۡتَعِینُوا۟ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِیرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَـٰشِعِینَ﴾ [البقرة ٤٥]

﴿ٱتۡلُ مَاۤ أُوحِیَ إِلَیۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَـٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ﴾ [العنكبوت ٤٥]

الصلاة هي الصلة بين العبد وبين الله، والغاية من الصلاة التي نصليه على الأقل 5 مرات في اليوم هي دوام هذه الصلة ليلاً ونهاراً، ليظل الدافع الداخلي يقظاً حتى يؤدى للثمرة المرجوة وهي النهي عن الفحشاء والمنكر وانتشار الطهر والعفة في الأقوال والأفعال، في المجتمع، فينال الفرد الثواب في الآخرة، وينال المجتمع الثواب في الدنيا.

وقال تعالى عن الحج:

﴿ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرࣱ مَّعۡلُومَـٰتࣱۚ فَمَن فَرَضَ فِیهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِی ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُوا۟ مِنۡ خَیۡرࣲ یَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَیۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ یَـٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَـٰبِ﴾ [البقرة ١٩٧]

تبين الآية أن زاد الحج هو التقوى (سأوضح معنى التقوى عند حديثي عن الصيام)

وقال تعالى عن الصيام كما ذكرته في أكثر مقال:

 ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣]

أي أنه يجب أن يؤدي إلى التقوى، والتقوى كما عرفها أبي بن كعب لعمر بن الخطاب.

سألَ عمرُ أبيَّ بنَ كعبٍ عنِ التَّقْوَى، فَقَالَ لَهُ: أَمَا سَلَكْتَ طَرِيقًا ذَا شَوْكٍ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: شَمَّرْتُ وَاجْتَهَدْتُ. قَالَ: فَذَلِكَ التَّقْوَى.

 أي أن التقوى حالة نفسية تجعل المسلم في حذر شديد واجتهاد مستمر ليتجنب ارتكاب الذنوب والمعاصي.

كما تلاحظ عزيزي القارئ، مما سبق، أن الشعيرة هي مظهر لإيمان أو تدين الشخص، والغاية هي القيم (الأخلاق) التي تزدهر في المجتمع. لذلك اخترت عنوان هذا المقال: الصيام شعيرة والغاية قيمة.

عمران المجتمع الإنساني يحتاج القيم، والقيم مثل الصدق والعفة والأمانة وغيرها، تنسجم معها وتسعد بها الفطرة الإنسانية السليمة التي تحمل قلباً سليماً، يعرف المعروف وينكر المنكر.

عندما حث النبي ﷺ المسلمين على تفضيل الزوج المتدين والخلوق (بالتأكيد يكون قادر على الباءة، التي هي تكاليف الزواج)، كانت رسالة واضحة بأن تدين الزوج له، وما تحتاجه الزوجة منه الأخلاق الطيب، بين القرآن بعضها كما جاء في الآية الكريمة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء ١٩]

الحديث: قال صلى الله عليه وسلم: ” إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ” رواه الترمذي وغيره.

كما حث النبي ﷺ الشباب على التقدم للزواج عندما يكون قادراً على تحمل تكاليفه (المادية والمعنوية)، كما في الحديث التالي:

“يا مَعْشَرَ الشَّبابِ، من استطاعَ منكم البَاءَةَ فليتزوَّجْ، فإنَّه أَغَضُّ للبَصَرِ، وأحصَنُ للفَرْجِ، ومَن لم يستطِعْ فعليه بالصَّومِ؛ فإنَّه له وِجَاءٌ”. رواه البخاري برقم: (5066)، ومسلم برقم: (1400) واللفظ له، من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه.

الأسرة الناجحة والسعيدة هي التي تسود الأخلاق بين أفرادها، وخصوصاً بين الزوج والزوجة، وبين الأبناء. عندما غير معظم المسلمون معايير قبول الزوج، حسب أهوائهم، فمنهم اكتفي بالشكل ولم يتأكد من الأخلاق، ومنهم من جعل المال المعيار الأول للاختيار، فكانت المصائب، وتصدعت البيوت من الداخل، وانتهى معظمها بالطلاق أو البقاء والعيش داخل سجون أو جحيم، فكانت الفتنة والفساد الكبير الذي حذر منهما النبي ﷺ، والنتيجة ضياع وتشريد الأجيال.

الخلاصة

العبادات في الإسلام كالصلاة والصيام والحج ليست مجرد طقوس شكلية، بل هي “شعائر” تهدف إلى ترسيخ “قيم” أخلاقية وسلوكية في المجتمع، فالغاية الكبرى من هذه العبادات هي تحقيق “التقوى”، التي تعني الحذر والاجتهاد لتجنب المعاصي، مما ينعكس إيجاباً على أمان واستقرار المجتمع.  إن صلاح الأسرة والمجتمع مرتبط باختيار الشريك بناءً على “الدين والخلق” وليس المال أو الشكل فقط. وبدون هذه الروح الأخلاقية، تفقد الشعائر ثمرتها ويحدث الفساد والشتات الأسري، والتفكك والانهيار في المجتمع.

الدكتور / أمين رمضان

27 رمضان 1447 ه / 17 مارس 2026 م

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى