الثقافة الاستراتيجية لا تستند فقط إلى المصالح: كيف كشفت مفاوضات إيران حدود القوة الأمريكية؟
أحد دروس الذكاء الاستراتيجي: القوة التي لا تُدار ضمن تصور متماسك تتحول من رصيد إلى عبء
بقلم: د. محمد السنوسي*
في تصريح لافت، أفصح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً أنه كان “قاب قوسين أو أدنى” من توجيه ضربة عسكرية لإيران قبل أن يتراجع في اللحظة الأخيرة بناءً على نصائح حلفائه، منحازاً إلى خيار إعطاء مهلة يومين أو ثلاثة لإعادة ضبط مسار المفاوضات. هذا التأرجح السريع بين الحرب والدبلوماسية لا يمثل مجرد تذبذب تكتيكي، بل يكشف عن مأزق بنيوي أعمق في إدراك واشنطن لحدود قوتها، ويقدم درساً بليغاً في الذكاء الاستراتيجي: “إن القوة التي لا تُدار ضمن تصور متماسك، تتحول حتماً من رصيد إلى عبء”.
الوهم الاستراتيجي ومأزق تفكيك فاعلية القوة
يقوم “الوهم الاستراتيجي الأمريكي” على افتراض بنيوي يرى أن امتلاك فائض القوة المادية (العسكرية والاقتصادية) يعادل تلقائياً القدرة على التحكم في مخرجات التفاعلات الدولية وفرض الامتثال على الخصوم. غير أن البيئة الدولية ليست خطية؛ فاستجابة الخصم لا تُبنى على حسابات الكلفة والعائد الفورية فحسب، بل تُحركها عوامل الهوية، والشرعية، والقدرة على امتصاص الصدمات.
إن التراجع الأمريكي في اللحظة الأخيرة لم يُقرأ تجنباً للتصعيد، بل أدى إلى تآكل مصداقية التهديد، مما أحدث فجوة واضحة بين الخطاب والفعل استثمرتها طهران لإعادة ضبط مواقفها، مما يثبت عجز النموذج الإدراكي المغلق عن تحويل التفوق المادي إلى نتائج سياسية مستقرة.
حين تتحول الثقافة الاستراتيجية إلى قيد على المصلحة
رغم تقديم السياسة الخارجية الأمريكية كنموذج عقلاني يوازن بين الكلفة والعائد، إلا أن مسار المفاوضات مع إيران يثبت أن “المصلحة القومية” ليست معطى جاهزاً، بل هي بناء إدراكي تشكله الثقافة الاستراتيجية. وهنا يبرز مستويان للتفاعل:
-
مستوى القدرة الموضوعية: ويتمثل في امتلاك الموارد الهائلة.
-
مستوى القدرة الإدراكية: ويتمثل في كيفية فهم هذه الأدوات واستيعاب حدود فعاليتها.
وعندما عجزت واشنطن عن التمييز بين المستويين، تحولت أدوات القوة من وسيلة لتحقيق نتائج مرنة إلى مجرد أداة لإثبات الهيمنة الرمزية، مما تسبب في انغلاق إدراكي أعاق صانع القرار عن التكيف مع واقع تفاوضي بالغ التعقيد.
مقاربة “الضغط الأقصى”: تماثل إدراكي أساء فهم الخصم
لم تكن استراتيجية “الضغط الأقصى” خياراً مصلحياً عابراً، بل تعبيراً مكثفاً عن وعي أمريكي يسقط بنيته الذهنية على فاعلين مختلفين في المرجعية والتاريخ. لقد تأسست هذه الاستراتيجية على فرضيات تبسيطية:
ونتيجة لهذا “التماثل الإدراكي”، تحولت العقوبات من أداة مرنة لفتح قنوات التفاوض إلى إطار جامد فَقَد فاعليته أمام قدرة النظام الإيراني على إعادة توزيع الكلفة داخلياً وتحويل الضغط الخارجي إلى رافعة للتعبئة السياسية.
الحنكة الإيرانية: إدارة التفاوض كمسار إدراكي-زمني
في المقابل، تميزت المقاربة الإيرانية بما يمكن تسميته “الذكاء التكيفي الاستراتيجي”، حيث أدارت طهران التفاوض كعملية ممتدة عبر آليات ثلاث:
-
تفكيك أثر الضغط: تحويل الصدمة الاقتصادية إلى مسار تآكل تدريجي بطيء يمكن امتصاصه داخلياً.
-
إدارة التوقعات عبر الغموض الوظيفي: ضبط سقف الاستجابة وإبقاء الخصم في حالة ترقب تمنعه من تثبيت معادلة تفاوضية حاسمة.
-
استثمار الزمن كمورد: إطالة أمد التفاوض لتجريد أدوات الإكراه الأمريكية من زخمها السياسي والنفسي.
قاعدة استراتيجية: الصمود في البيئات غير المتكافئة، ومنع الخصم من تحقيق أهدافه القصوى، قد يكون أكثر فاعلية من امتلاك زمام المبادرة الهجومية.
غياب “الذكاء الثقافي” واحتجاز ترامب في خندق التصعيد
تعامل الفريق المفاوض الأمريكي مع إيران كفاعل اقتصادي مسطح، مسقطاً من حساباته ثلاث طبقات مركبة تُشكل السلوك الإيراني: (طبقة تاريخية مشبعة بعدم الثقة، طبقة رمزية سيادية ترفض المساومة على الاستقلال، وطبقة أيديولوجية تربط شرعية الداخل بخطاب المقاومة).
هذا القصور أدخل إدارة ترامب في “فخ الالتزام التصعيدي”؛ حيث تحول الخطاب الحاد من أداة دعم للقرار إلى قيد بنيوي عليه. وأصبح صانع القرار محتجزاً داخل “خندقه التفاوضي”: فالتراجع مكلف سياسياً محلياً، والاستمرار يفتح مسار استنزاف بلا أفق، مما جعل الاستراتيجية شكلاً من أشكال الإكراه الذاتي.
تفكك الإشارة الاستراتيجية الأمريكية والدور الإسرائيلي المهيكل
عانت الرسائل الأمريكية من تشويش بنيوي حاد؛ فالخطاب يعلن الانفتاح على التسوية، بينما الممارسة الميدانية تندفع نحو التصعيد وتوسيع العقوبات. هذا التناقض أفقد “الردع” مضمونه، وأربك الحلفاء، وعزز نزعة الحذر وإدارة الوقت لدى الطرف الإيراني.
ولم يكن هذا التفكك بمعزل عن العامل الإسرائيلي، الذي اشتغل كـ “ضغط خارجي مُهيكل للقرار”، عبر:
-
توسيع نطاق الملفات لتشمل قضايا تتجاوز قابلية التسوية الواقعية.
-
تقليص هامش المناورة التكتيكية للإدارة الأمريكية برفع كلفة المرونة السياسية.
-
التداخل مع الخطاب السياسي الداخلي الأمريكي ليتحول إلى محدد غير معلن لإيقاع التفاوض.
وقد لمستُ شخصياً، خلال لقاءاتي مع عدد من النخب الأمريكية أثناء زيارتي الأخيرة إلى الولايات المتحدة (17 أبريل–18 مايو 2026)، وجود قدر متزايد من القلق داخل الدوائر الفكرية والسياسية في واشنطن من هذا التشابك الذي يحدّ تدريجياً من استقلالية القرار الأمريكي ومرونته الاستراتيجية.
من فرض الشروط إلى إدارة المأزق: خلاصة استراتيجية
في نهاية المطاف، انتقلت الولايات المتحدة من موقع الفاعل الذي يفرض قواعد اللعبة، إلى موقع المضطر للتكيف مع تداعيات خياراته السابقة، فيما يُعرف علمياً بـ “فشل تحويل القوة”.
وتكشف هذه الأزمة برمتها عن “مفارقة القوة” في العالم المعاصر؛ فكلما ازداد الاعتماد على أدوات الإكراه المباشر والاندفاع التكتيكي دون فهم ثقافي عميق وفضاء تفاوضي مرن، تراجعت الفعالية السياسية. إن امتلاك السلاح والمال لم يعد كافياً لصناعة التاريخ، بل إن القدرة على إدارة التعقيد، والتكيف الذكي مع إدراكات الخصوم، هي المحدد الحاسم للنجاح أو الفشل في البيئة الدولية الحديثة.
*أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط



