الصراط المستقيم

شهادة عشماوية : موسى شاهين لاشين فارس مدرسة الحديث المعاصرة ورجل المواقف 

إعداد التربوي / الشيخ محمد عرفة البهادي

 

سطر الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم العشماوي، أستاذ الحديث الشريف وعلومه بجامعة الأزهر، شهادة تاريخية ماتعة في حق شيخ مشايخ المحدثين، العلامة المفكر الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين. وجاءت هذه اللفتة الوفية لتسلط الضوء على المسيرة الحافلة لمن يوصف بحق بأنه “مؤسس مدرسة الحديث المصرية المعاصرة”؛ وصاحب الموسوعة الكبرى “فتح المنعم شرح صحيح مسلم”، الذي عاش عزيزاً مدافعاً عن الشريعة الغراء، ومستحضراً في كل شؤونه معاني الهداية والتقوى كما في قوله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23].

“فتح المنعم”.. معجزة علمية استغرقت ربع قرن من الزمان

أوضح الدكتور العشماوي من خلال تجربته في التأليف الصعوبة البالغة لشروح الحديث التحليلي، مؤكداً أن ما أنجزه الشيخ لاشين في موسوعته “فتح المنعم شرح صحيح مسلم” التي خرجت في عشرة مجلدات كبار يعد معجزة علمية حقيقية استغرق تأليفها ربع قرن من الزمان، وهي نفس المدة التي استغرقها الحافظ ابن حجر في شرح صحيح البخاري تقريباً. وقد جمع الشيخ في شرحه بطريقة مبتكرة بين الأصالة والمعاصرة والإبداع، لتصبح موسوعته دليلاً يقتدي به كل من جاء بعده من شراح الحديث النبوي الشريف.

هيبة العالم الأزهري وجبر خواطر عمال الكلية

نقل المقال صورة حية وأنيقة عن السمت السلوكي لشيخ مشايخ المحدثين، فقد كان مَهيباً، وجيهاً في مظهره ومخبره، يبدأ يومه الدراسي بالصدقة على العمال الذين كانوا يتسابقون لتقبيل يده، ليعلم تلامذته بالحال قبل المقال. وكان إذا شرع في الشرح تفجر كالبحر تدفقاً؛ فيتنقل بسلاسة واقتدار بين اللغة، والفقه، والمنطق، والأصول، والفلسفة، والتفسير، بصوت هادئ واثق، يملأ القاعة هيبة ومحبة.

رائد العمل المؤسسي وأياديه البيضاء على كبار العلماء

يُعد الدكتور موسى شاهين لاشين من كبار المؤسسين لمدرسة الحديث في مصر؛ فهو الذي أسس المركز الدولي للسيرة والسنة، وافتتح مشروع تحقيق كتب السنة بالجامعة الأزهرية (مثل مسند أحمد). وتتلمذ على يديه أكابر علماء الحديث المعاصرين، ومنهم: الدكتور أحمد عمر هاشم، والدكتور أحمد معبد، والدكتور عبد المهدي عبد القادر، حيث كان للشيخ فضل كبير في دعمهم وتأمين مستقبلهم العلمي والأكاديمي منذ أن كان عميداً لكلية أصول الدين بالقاهرة.

الشجاعة والنزاهة في الخصومة.. مواقف تاريخية مشهودة

تميز الشيخ بيقظة ضميره وجهره بكلمة الحق؛ حيث عارض قانون الأحوال الشخصية في عهد الرئيس السادات لمخالفته الشريعة، مما كلفه منصبه كنائب لرئيس جامعة الأزهر للدراسات العليا، فكان تجسيداً حياً لقوله سبحانه: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا} [الأحزاب: 39]. وفي المقابل، تميز بنزاهة الخصومة؛ إذ يروي المقال كيف منح ترقية لأحد زملائه (الدكتور القصبي زلط) رغم معارضته الشديدة له في مجلس الجامعة، قائلاً له: “اكتب قرار ترقيتك بنفسك وأنا أوقع عليه!”. كما عُرف بموقفه الشجاع في حماية مستقبَل أحد طلابه علمياً ورفض تسليمه للأمن إلا بعد انتهاء مناقشته العلمية.

محن قاسية في الحياة.. وحسن خاتمة على فراش السُّنّة

ابتُلي الشيخ في حياته بمحن عظيمة ثبت لها ثبوت الرواسي؛ حيث تعرض لحادث أليم فقد فيه زوجته وابنته العروس غرقاً في النيل ونجا هو، فضلاً عن وفاة بعض أولاده من قبل، فصبر واحتسب طمعاً في الأجر الإلهي. وفي عام 2009، عن عمر يناهز تسعين عاماً، قضى الشيخ نحبه بعد أن توضأ وصلى ركعتين ثم نام على فراشه متوجهاً إلى القبلة، تاركاً خلفه إرثاً دفاعياً شهيراً في كتابه “الحصون المنيعة في الدفاع عن الشريعة”، ومواصلاً حتى أنفاسه الأخيرة شرح صحيح البخاري في كتابه “السلسبيل الجاري”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى