الصراط المستقيم

عرفة.. يوم المباهاة الإلهية والعتق من النار

بقلم – وليد على  

أفضلِ أيام الدنيا يومِ عرفةَ على الإطلاقِ كما قال النبيُّ المختارُ ﷺ: (أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا الْعَشْرُ– يَعْنِي: عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ- قِيلَ: وَلَا مِثْلُهُنَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا مِثْلُهُنَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ عَفَّرَ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ))رواه البزار وابن حبان ،  ونحن على أعتابِ يومِ عرفةَ خيرِ الأيامِ وأعظمِهَا وأشرفِهَا عندَ اللهِ جلّ وعلا، نتذكر أنّ يومَ عرفةَ هو يومُ التمامِ والكمالِ والنعمةِ والعطاءِ لأمةِ الإسلامِ، قالَ تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾المائدة

اللهُ أكبرُ !! وهل شممتَ عبيرًا أزكَى مِن غبارِ المحرمين؟ هل رأيتَ لباسًا قط أجْملَ وأجَلَّ مِن لباسِ الحُجَاجِ والمعتمرين؟(الحجاج والعمار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم) رواه النسائي وابن ماجه

هل رأيتَ رؤوسًا أعزَّ وأكرمَ مِن رؤوسِ المحلقين والمقصرين؟ هل مرّ بك رَكْبٌ أشرفَ مِن رَكْبِ الطائفين؟ هل هزَّكَ نَغَمٌ أروعَ مِن تلبيةِ الملبيين وأنينِ التائبين، وتأوهِ الخاشعين ومناجاةِ المنكسرين؟ جموعٌ مُلبيةٌ، وأعينٌ باكيةٌ وعبراتٌ ساكبةٌ وألسنةٌ ذاكرةٌ وقلوبٌ خاشعةٌ ونفوسٌ خاضعةٌ وأيدٌ داعيةٌ وجباهٌ ساجدةٌ. .

تُفرحُ كلَّ مؤمنٍ وتغيظُ كلَّ عدوٍّ وكافر. بتلك النفوسِ المؤمنةِ. الزمانُ يزدهرُ والأيامُ تحتفلُ والأرضُ في طربٍ والأرجاءُ تشتعلُ.

لبيكَ ربّي وإنْ لم أكنْ بينَ الزحَامِ مُلبيَا***لبيكَ ربّي وإنْ لم أكنْ بينَ الحجيجِ ساعيَا

لبيكَ ربّي وإنْ لم أكنْ بينَ عبادِكَ داعيَا***لبيكَ ربّي وإنْ لم أكنْ بينَ الصفوفِ مصليَّا

لبيكَ ربّي وإن لم أكنْ بينَ الجموعِ لعفوِكَ طالبَا **لبيكَ ربّي فاغفرْ جميعَ ذنوبِي أدقهَا وأجلهَا

يومُ عرفةَ شرفٌ عظيمٌ وفضلٌ كبيرٌ مِن اللهِ جلّ وعلا، فهو اليومُ الذي نالتْ فيه أمةُ النبيِّ ﷺ وسامَ الرفعةِ والشرفِ على سائرِ الأممِ أجمعين، إنّه اليومُ الذي خصَّهُ اللهُ بالأجرِ الكبيرِ والثوابِ العظيمِ عن كلِّ أيامِ السنةِ، إنّه اليومُ الذي يعمُّ اللهُ عبادَهُ بالرحماتِ، ويكفرُ عنهُم السيئات ويمحُو عنهم الخطايا والزلات، ويعتقهُم مِن النار…اليومُ الذي يُرَى فيهِ إبليسُ صاغرًا حقيرًا… اليومُ الذي أكملَ اللهُ فيهِ الدينَ وأتمَّ النعمَ على المسلمين..

إنّهُ يومُ عرفةَ

يومُ التجلياتِ والنفحاتِ الإلهيةِ، يومُ العطاءِ والبذلِ والسخاءِ، يومُ عرفةَ وما أدراكُم ما يومُ عرفةَ؟! أفضلُ يومٍ طلعتْ عليهِ الشمسُ، وهو اليومُ الذي يخرجُ فيه حجاجُ بيتِ اللهِ الحرامِ شعثًا غبرًا لأداءِ ركنِ الحجِّ الأعظمِ وهو الوقوفُ بصعيدِ عرفةَ، رافعينَ أكفَّ التضرعِ للمولى عزّ وجلّ، راجين مغفرتَهُ وعتقَهُ مِن النارِ.

فأين مَن يتعرضونِ لنفحاتِ الرحمنِ جلّ جلاله؟ وأين مَن يتعرضونَ لمغفرةِ اللهِ وكرمهِ؟ أين مَن يغتنمونَ هذا اليومَ بالتجارةِ مع اللهِ تعالى كما يغتنمُهّ أهلُ الدنيا بتجارةِ الدنيا؟ هذا يومُ عرفةَ، يومُ المغفرةِ، فإذا كان الحجيجُ وهم واقفون في عرفاتٍ ينعمونَ برحماتِ اللهِ تعالى وغفرانهِ ورضوانِه..

فإنّ أبوابَ الرحمةِ والمغفرةِ والرضوانِ مفتوحةٌ أمامنَا ونحن في بيوتِنَا باستغلالِنَا لهذا اليومِ العظيمِ المباركِ بطاعةِ الرحمنِ جلّ جلالُه وتقدستْ أسماؤُه .

يومُ عرفةَ إنّه اليومٌ مشهودٌ، ويومٌ عظيمٌ، أقسمَ اللهُ به لمكانتهِ في الإسلامِ، والعظيمُ لا يقسمُ إلّا بعظيمٍ، قالَ جلّ وعلا: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) [البروج:1-3]. وقد روى أبو هريرةَ -رضي اللهُ عنه- قال: قال رسولُ اللهَ ﷺ : “الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَمَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَلا غَرَبَتْ عَلَى يَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْهُ، فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ بِخَيْرٍ إِلاَّ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَلا يَسْتَعِيذُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْهُ” رواه الترمذي.

ويومُ عرفةَ هو الوترُ الذي أقسمَ اللهُ به في القرآنِ، فقالَ عزَّ مَن قال: ﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْر ﴾ [الفجر: 3]، قال ابنُ عباسٍ: “الشفعُ يومُ الأضحَى، والوترُ يومُ عرفةَ.

يومُ عرفةَ إنّهُ يومُ التمامِ والكمالِ، فعن عمرَ بنِ الخطابِ أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قالَ له: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ في كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا، لو عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لَاتَّخَذْنَا ذلكَ اليومَ عِيدًا. قالَ: أيُّ آيَةٍ؟ قالَ: {اليومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ علَيْكُم نِعْمَتي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] قالَ عُمَرُ: قدْ عَرَفْنَا ذلكَ اليَومَ، والمَكانَ الذي نَزَلَتْ فيه علَى النبيِّ ﷺ، وهو قَائِمٌ بعَرَفَةَ يَومَ جُمُعَةٍ). متفق عليه

يومُ عرفةَ يومُ  الميثاقِ العظيمِ، حيثُ أخذَ اللهُ -عزّ وجلّ- الميثاقَ مِن ذريةِ آدمَ عليه السلام على أنْ يعبدُوه ولا يشركُوا به شيئًا، قالَ جلّ وعلا: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الأعراف:172-174].

 وذلك يومُ عرفةَ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: “أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ يَعْنِي عَرَفَةَ فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلاً قَالَ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ” رواه الإمام أحمد.

فيومُ عرفةَ يومٌ نتذكرُ فيهِ الميثاقَ الذي أخذَهُ اللهُ علينَا يومَ أخرجنَا مِن صلبِ أبينَا آدم، وأشهدَنَا أن لا نشركَ بهِ شيئًا.

يومُ عرفةَ … إنَّهُ يومُ مغفرةِ الذنوبِ، ويومُ العتقِ مِن النارِ، ويومُ المباهاةِ بأهلِ الموقفِ، حيثُ يُباهِي اللهُ بأهلِ عرفةَ ملائكتَهُ، فعن أبي هريرةَ رضى اللهُ عنه قال : قال رسولُ اللهِ ﷺ: إنَّ اللهَ يُباهي بأهلِ عرفاتٍ ملائكةَ السماءِ ، فيقولُ : انظُروا إلى عبادي هؤلاءِ ، جاءوني شُعْثًا غُبْرًا، أنفقوا الأموالَ وأتعبوا الأبدانَ أشهدكُم  يا ملائكتِي أنِّي قد غفرتُ لهم (صحيح ابن خزيمة).

وهذا ما أخبرَ عنه الصادقُ المصدوقُ سيدُنَا مُحمدٌ ﷺ، فعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ  ﷺ: (مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُنَّ أَفْضَلُ أَمْ عِدَّتُهُنَّ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللهِ، قَالَ: هُنَّ أَفْضَلُ مِنْ عِدَّتِهِنَّ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا مِنْ يوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِنْ يوْمِ عَرَفَةَ يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ جَاؤُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي، وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي، فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ أَكْثَرُ عِتْقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يوْمِ عَرَفَةَ)، صحيح ابن حبان.

وعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِى بِهِمُ الْمَلاَئِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلاَءِ)، رواه مسلم.

نعم، هكذا يباهِي اللهُ بأهلِ عرفةَ ملائكةَ السماءِ، ويقولُ لهم بكلِّ حبٍّ وفخرٍ: (انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ جَاؤُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي، وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي)…اللهُ أكبرُ، فهنيئًا  لمَن كتبَ اللهُ له الوقوفَ بعرفاتٍ، وهنيئًا لك يامَن اغتنمتَ هذه الأيامَ بطاعةِ الرحمنِ.

يومُ عرفةَ …صيامُهُ يكفرُ ذنوبَ سنتين، وهذا ما أخبرَنَا به نبيُّنَا العظيمُ ﷺ بأنَّ صيامَهُ فيه الأجرُ العظيمُ والثوابُ الكبيرُ، هذا الأجرُ وهذا الثوابُ هو مغفرةُ ذنوبِ سنتين، ولنسمعْ سويًّا إليهِ ﷺ وهو يقولُ: (صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ)، رواه مسلم.

يومُ عرفةَ … يومٌ يغيظُ الشيطان، يومٌ يعمُّ اللهُ عبادَهُ بالرحماتِ ويُكفرُ عنهم السيئات، ويمحُو عنهم الخطايا والزلات، مِمّا يجعلُ إبليسَ يندحرُ صاغرًا، يقولُ حبيبُنَا مُحمدٌ ﷺ وهو يصفُ الشيطانَ وحالَهُ في ذلك الموقفِ: (مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ قِيلَ وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ)، رواه مالك والبيهقي وعبدالرزاق وابن عبد البر. فأينَ المسلمُ الذي يدحرُ الشيطانَ ويجعلُهُ يتصاغرُ وذلك بتقديمِ الطاعاتِ للهِ تباركَ وتعالى في يومِ عرفةَ؟ فأين المؤمنُ الذي يحفظُ جوارحَهُ مِن المعاصي ليغيظَ الشيطان؟ فأين الموحدُ الذي يوحدُ الرحمنَ ويغيظُ الشيطان؟

يومُ عرفةَ  ….يومٌ يستجيبُ اللهُ فيه الدعوات، وهذا ما أخبرَنَا بهِ نبيُّنَا ﷺ، فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، رواه الترمذي، فعلى المسلمِ أنْ يتفرغَ للذكرِ والدعاءِ والاستغفارِ في هذا اليومِ العظيمِ، وليدعُ لنفسهِ ولِوالديْهِ ولأهلِه وللمسلمين، روي عن الفضيلِ بنِ عياضٍ أنّه نظرَ إلى تسبيحِ الناسِ وبكائِهِم عشيةَ عرفةَ فقال أرأيتُم لو أنّ هؤلاءِ صارُوا إلى رجلٍ فسألُوه دانقًا. – يعني: سدسَ درهمٍ – أكانَ يردهُم؟ قالوا: لا، قال: واللهِ للمغفرة عندَ اللهِ أهونُ مِن إجابةِ رجلٍ لهُم بدانقٍ.

وقال ابنُ المبارك جئتُ إلى سفيانَ الثورِي عشيةَ عرفةَ وهو جاث على ركبتيهِ وعيناهُ تذرفانِ فقلتُ له: مَن أسوأُ هذا الجمعِ حالًا؟ قال: الذي يظنُّ أنّ اللهَ لا يغفرُ له. اللهُ أكبرُ، يا ربّ نسألُكَ مغفرةً للذنوبِ وعتقًا للرقابِ مِن النيران .

هكذا كان حالُ الصالحين في هذا اليومِ المبارك، فصومُوا هذا اليومَ المبارك، وأكثروا يا مسلمون مِن قولِ لا إلهَ إلّا الله، وحدَهُ لا شريكَ له.. له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير..

أكثروا يومَ عرفةَ مِن الدعاءِ وقولُوا: اللهُمّ برحمتِكَ التي وسعتْ كلَّ شيءٍ، نسألُكَ أنْ تغفرَ ذنوبَنَا، وتسترَ عيوبَنَا، وتيسرَ أرزاقَنَا، وأنْ تحسّنَ أخلاقَنَا، وتشفي أمراضَنَا، وتعافينَا وتحفظنَا وأموالنَا وأوطاننَا وأولادنَا، وتحققَ آمالنَا، وتُعِنَّا على ذكرِكَ وشكرِكَ وحسنِ عبادتِكَ، وتوفِّقنَا لِمَا تحبّهُ وترضاهُ يا ربَّ العالمين..

قصدتُ بابَ الرجاء والناسُ قد رقدوا    *** وقمتُ أشكو إلى مولاي مـا أجـدُ

وقلتُ يـا أملـى في كـلِّ نائبـةٍ يا *** مَن عليه لكشـفِ الضـرِّ أعتمـدُ

أشكو إليـك أمـورًا أنـتَ تعلمُهـا*** ما لي على حملهَا صبـرٌ ولا جلـدُ

مــددتُ يدي بـالـذل مفـتـقـرًا   ***  يـا خيرَ مَـن مُـددت إليـه يــدُ

فـلا تردنـَّهـا يـا ربـِّى خائـبـةً *** فبحرُ جودِك يروِى كلَّ مَـن يـردُ

اللهم ارزقنا الحج والوقوف بعرفة والعتق من النار … اللهم أمين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى