شئون عربيةفلسطين

يوميات وطن ينزف (16) حين تصبح الصورة والقلم أرشيفًا للوجع في غزة

   قلبي فلسطيني (3)

 

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

بعد انتهاء شهر رمضان الماضي  2026وكوني غير مهتم بمشاهدة الأعمال الدرامية خاصة في رمضان لضيق وقت هذا الشهر الكريم الذي أحتاج فيه لرصيد ايماني أكمل به حياتي بعد رمضان، لكن أوصاني صديقي أن أشاهد عمل درامي مميز لأن فيه أفكار ومشاهد تتوافق مع ما كتبته في كتابي (بين جدران غزة ودموع أطفالها) المطبوع أيضا 2026

مسلسل “صحاب الأرض”.. تفاصيل الحياة اليومية تحت القصف

لكن بعد ما شاهدت هذا العمل وجدت أنه من أصعب ما يمكن أن يواجه الفن بعد السابع من أكتوبر 2023، ليس نقل الدمار، بل نقل “الإحساس” بالدمار.
فنشرات الأخبار وحدها لم تعد تكفي العالم الأن فمشاهدة الأبراج وهي تسقط، والطائرات وهي تقذف والأطفال وهم يركضون بين الركام، أصبحت لا تترك الأثر الإنساني المطلوب

لكن التحدي الحقيقي كان: كيف يمكن تحويل كل هذا إلى عمل درامي دون أن يتحول الألم إلى استعراض بصري أو مادة للاستهلاك العاطفي؟

هنا تحديدًا يأتي مسلسل صحاب الأرض  كعمل يحاول أن يمشي فوق حبلٍ شديد الحساسية؛ بين التوثيق والدراما، بين الواقعية والانفعال، وبين الإنسان والرمز.

النجاة المؤقتة أو الفقد المؤجل

المسلسل لم يقدّم غزة بوصفها “مكان حرب” فقط، بل باعتبارها مساحة نفسية مضغوطة يعيش فيها الناس بين احتمالين دائمين: النجاة المؤقتة أو الفقد المؤجل وهذه من أهم نقاط قوته.
فالعمل لم يعتمد على البطولة التقليدية التي يقوم فيها البطل بالصراخ كثيراً والانتصار دائماً، بل قدّم شخصيات مُرهقة، متعبة، أحيانًا ساخطة، وأحيانًا ساخرة من مأساتها بطريقة تشبه أهل غزة أنفسهم؛ تلك السخرية التي تبدو وكأنها آخر خط دفاع نفسي قبل الانهيار.

لذلك أحد أهم خطوط الدراما في “صحاب الأرض” هو خط الحياة اليومية تحت القصف
وهذا الخط كان ذكيًا لأنه لم يجعل الحرب حدثًا استثنائيًا، بل خلفية دائمة لكل شيء: الحب، الخوف، الخبز، النوم، وحتى المزاح.

في أحد المشاهد، يتجادل أفراد عائلة حول شاحن هاتف بينما الطائرات في السماء المشهد يبدو بسيطًا، لكنه عميق جدًا؛ لأن الحروب الحقيقية لا تُعاش فقط في لحظات الانفجار، بل في التفاصيل الصغيرة التي تحاول أن تستمر رغم العبث.
وهنا نجح المسلسل في التقاط ما تفشل فيه نشرات الأخبار: كيف يتحول الإنسان تدريجيًا إلى كائن يتفاوض يوميًا مع القلق.

“بين جدران غزة”.. عندما يغوص الأدب في العزلة الفردية

لكن، رغم قوة العمل، هناك مساحة ظلّ غابت عنه أحيانًا: المسلسل اقترب كثيرًا من الألم الجماعي، لكنه لم يغص دائمًا في العزلة الفردية.
غزة ليست فقط مدينة محاصرة؛ إنها أيضًا أفراد يعيش كل واحد منهم حربه الخاصة داخل رأسه.

وهنا تظهر المقارنة المهمة مع كتاب بين جدران غزة ودموع أطفالها

الفرق الجوهري بين العملين أن المسلسل اعتمد على “الصورة الجماعية”، بينما الكتاب يميل إلى “الاعتراف الإنساني الفردي
في “صحاب الأرض” نرى المدينة وهي تنزف، أما في الكتاب فنسمع قلب الطفل وهو يحاول فهم معنى أن يكبر وسط كل هذا الخراب.

الكتاب لا يتعامل مع غزة كعنوان سياسي فقط، بل كبيتٍ مكسور لا يزال أهله يرتبون وسائده رغم القصف وهذه نقطة أدبية شديدة الأهمية.
فالكتاب لا يصف الحرب بوصفها حدثًا، بل كأثر نفسي طويل الأمد؛ أثر يتسلل إلى اللغة، وإلى طريقة النظر للحياة، وحتى إلى شكل الدعاء.

كذلك، يملك الكتاب مساحة تأمل أعمق مما يسمح به الإيقاع الدرامي
فالدراما مضطرة للحركة المستمرة، للمشهد، للصوت، للتوتر البصري.                    أما النص الأدبي، فيستطيع أن يقف طويلًا أمام دمعة طفل أو صمت أم دون أن يشعر بالخوف من “بطء الإيقاع

عزة بين “الاختناق الجماعي” و“الكرامة الصامتة”

ومع ذلك، فالمسلسل تفوق في نقطة أخرى: قدرته على تجسيد “الاختناق الجماعي
فالمشاهد يرى الأزقة الضيقة، أصوات الطائرات، الازدحام، انقطاع الكهرباء، وتلك الحالة التي تجعل غزة تبدو وكأنها مدينة تحاول التنفس من ثقب إبرة.

أما الكتاب، فكان أكثر نجاحًا في التقاط “الكرامة الصامتة
تلك الكرامة التي لا تظهر في الخطب، بل في أمّ تُقسّم رغيفًا صغيرًا على أطفالها وتقول لهم إنّها ليست جائعة.
وهنا تحديدًا يكمن الفرق بين الأدب والدراما: الدراما تُريك المشهد، أما الأدب فيجعلك تسكن داخله.

العملان معًا يقدمان شيئًا مهمًا جدًا للوعي العربي: أن غزة ليست مجرد “خبر عاجل”، وليست فقط مساحة للبطولات المجردة، بل مجتمع حقيقي مليء بالبشر الذين يحبون، ويخافون، ويسخرون، ويحلمون، ويتعبون مثل أي بشر آخرين.

وربما أكثر ما نجح فيه “صحاب الأرض”، وما يلتقي فيه مع الكتاب، هو كسر الصورة النمطية للضحية الصامتة.
فأهل غزة في العملين ليسوا مجرد أرقام تنتظر الشفقة، بل بشر يمتلكون روايتهم الخاصة، حتى وهم تحت الركام.

السؤال الأهم

في النهاية، يبقى السؤال الأهم الذي يطرحه الفن الجاد دائمًا: هل يكفي أن نوثّق الألم؟
أم أن مهمة الفن الحقيقية هي أن يمنع العالم من التعود عليه؟

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة… ليس الحرب نفسها، بل أن تتحول مأساتها إلى “مشهد معتاد” يمرّ عليه العالم كما يمرّ على نشرة الطقس.

فإذا حدث ذلك فأعلم أنها النهاية

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى