الصراط المستقيم

فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ.. جلال العطاء الإلهي في إجابة الدعاء وخواطر القلوب

بقلم التربوي / الشيخ محمد عرفة البهادي 

يقف الإنسان متأملاً بمزيج من الذهول والخشوع أمام جلال وعظمة التعبير القرآني في وصف إجابة الله عز وجل لنداء عباده الصالحين. ففي قوله تعالى في سورة الصافات : {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ}، تتجلى لذة إيمانية لا تدانيها لذة؛ حيث لم يقل سبحانه “فنجيناه” أو “فأهلكنا قومه”، بل أثنى على ذاته العلية بوصف الإجابة مباشرة. ولأن الله ليس كمثله شيء، فإن إغاثته، وعطاءه، وتداركه للعبد المكروب لا يشبهه أي عطاء بشرى، فهو سبحانه الذي يفتح بابه للعبد رغم علمه بتفاصيل ضعفه وهفواته، طالباً منه الصدق واللجوء دون تصنع.

إجابة نداء نوح عليه السلام وعطاء فاق الحدود

حينما ضاقت السبل بنبي الله نوح عليه السلام، لم يحتج إلا إلى نداء صادق اختصر فيه كل كربه: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ}. فجاءت الإجابة الكونية الكبرى التي غيرت ملامح الأرض؛ فُتّحت أبواب السماء بماء منهمر، وفُجّرت الأرض عيوناً، وأُهلك المعاندون، وحُفظت سفينة خشبية بسيطة وسط موج كالجبال، ليُختم هذا النداء بسلام وأمان أبديين: {سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ}. كل هذه المعجزات والعطايا كانت ثمرة لنداء واحد، مصداقاً لقوله: {فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ}، ولقوله في الحديث القدسي: “يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي”.

كرم اللطيف في إجابة خواطر القلوب قبل السؤال

لا تقتصر عظمة الإجابة الإلهية على النداء المسموع، بل تمتد لتشمل مراقبة خواطر قلوب الأصفياء وإعطائهم قبل السجود والدعاء باللسان. ويتجلى هذا بوضوح في قصة تحويل القبلة، حيث كان الحبيب المصطفى ﷺ يرفع بصره إلى السماء متمنياً ومترقباً دون أن ينطق بكلمة، أدباً وحياءً مع الله. ولأن الله هو نعم المجيب، لم تخفَ عليه تلك النظرات المترقبة، فجاء العطاء الرباني المحيط بكل أبعاد الرضا: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}، ليفيض قلب النبي ﷺ سروراً ورضا، مصداقاً لآية: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.

دعاء وتضرع: اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واستر عيوبنا، وتولّ أمرنا، ويمن كتابنا، ونوّر قبورنا، وأحسن خاتمتنا يا نعم المجيب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى