
بقلم التربوي / الشيخ محمد عرفة البهادي
في لحظات الانكسار، حين تشتد الأزمات وتضيق ممرات الحياة، قد يهمس لك اليأس: “ما الفائدة؟”، ولماذا السعي والنتائج غائبة؟ إنها اللحظة التي يختبر فيها المرء يقينه. هل نتوقف عن الطموح والأمل لأن النهاية تبدو وشيكة؟ أم أن هناك مفهوماً أعمق للعبودية لله والسعي لإرضائه سبحانه وتعالى يتجاوز لغة الأرقام والنتائج المادية؟.
إليك تجربة إيمانية تعلمك كيف تهدأ روحك وتستعيد شغفك بالحياة رغم كل الصعاب.
صراع اليأس والمنطق.. لماذا نستمر في السعي؟
حين تشن الحروب أو تنهار الآمال، يبدو الحوار المحبط مقنعاً ومنطقياً للبعض؛ فما الجدوى من الدراسة إذا كانت الحرب تلوح؟ وما الفائدة من بناء بيت أو كسب مال قد يضيع في لحظة؟ هذا المنطق يقتل الإرادة ويجعل الإنسان حبيساً لانتظار “الأسوأ”. لكن الحقيقة تكمن في أن هذا التثبيط هو السلاح الأول لليأس الذي يحاول إقناعك بأن قيمتك تنتهي بفشل النتائج المادية، بينما قيمتك الحقيقية تبدأ من “نية السعي”.
حديث الفسيلة.. إعجاز نبوي في العمل حتى النفس الأخير
يأتي حديث رسول الله ﷺ ليحطم قياسات المنطق المادي: “إن قامتِ الساعةُ وفي يدِ أحدِكم فسيلةً، فإن استطاعَ أن لا تقومَ حتى يغرِسَها فليغرِسْها”. هنا تكمن الجوهرة؛ فالساعة ستقوم، والأرض ستبدل، ولن تأكل طير من هذه النخلة، ولن يجني غارسها ثمارها، فلماذا الغرس؟ لأنك تعبد ربًا “شكوراً” يأجرك على الفعل لا على النتيجة. أنت غير مطالب بالنتائج، بل أنت مطالب بأن تظل يدك ممدودة بالخير حتى آخر نبضة في عروقك.
المرء يساوي جدوله اليومي.. العبرة في “الوجهة” لا “الوصول”
إن حقيقة التوفيق تكمن في الفطنة إلى أن المرء هو حصيلة جدوله اليومي وخطواته نحو ربه. العبرة ليست في “ماذا حققت؟” بل في “لمن عملت؟”. حين تكون وجهة قلبك هي الله، يصبح كل تعب مؤنساً، وكل خطوة في طريق طموحك هي رصيد في ميزان حسناتك. إن إدراك أنك مأجور على السعي يرفع عن كاهلك ثقل القلق من المستقبل، ويجعلك تركز فقط على ما تقدمه في لحظتك الراهنة.
مواجهة وساوس التثبيط.. وعد الشيطان ووعد الرحمن
يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿الشَّيطانُ يَعِدُكُمُ الفَقرَ وَيَأمُرُكُم بِالفَحشاءِ﴾؛ فهذه هي طريقة الشيطان في الإغواء: التثبيط والتحزين وتصوير المستقبل مظلماً. وفي المقابل، يأتي الوعد الإلهي المطمئن: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَغفِرَةً مِنهُ وَفَضلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَليمٌ﴾. فكن على ثقة بربك القادر الذي قال: ﴿وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمرِهِ وَلكِنَّ أَكثَرَ النّاسِ لا يَعلَمون﴾. أبشروا وثقوا بفضله، فالغد بيد الكريم.



