فاتح أفريقيا الجديد (17) مفهوم السميط للإحباط يعني تخطي التعثّرات

بقلم أيقونة الاتزان/ السفير د. أحمد سمير
في إحدى مقابلاته، تحدّث الدكتور عبد الرحمن السميط عن لحظات صعبة عاشها خلال عمله الطويل في إفريقيا لم يكن يتحدث عن التعب الجسدي فقط، بل عن ذلك الشعور الثقيل حين ترى جهد سنوات يضيع أمامك فجأة.
كيف تعامل السميط مع الواقع الإفريقي المعقد
روى كيف أن بعض القرى التي شهدت تحسنًا واضحًا، عادت لاحقًا إلى الفقر والمرض بسبب الحروب أو الجفاف أو انهيار الظروف المحيطة. مدارس بُنيت ثم تعطلت، ومشاريع بدأت بقوة ثم واجهت عراقيل قاسية، وأناس تم إنقاذهم من المجاعة… قبل أن تعود المجاعة مرة أخرى.
كان يعرف هذا الشعور جيدًا: أن تعمل طويلًا، ثم ترى الواقع وكأنه يسحبك إلى الخلف.
ومع ذلك، لم يكن يتحدث عن تلك اللحظات كدليل على عبث الطريق، بل كجزء طبيعي منه.
وهنا تكمن الفكرة التي لا نحب الاعتراف بها: لا يوجد طريق طويل بلا تعثّر.
لكن المشكلة ليست في العثرة نفسها، بل في الخلط بين العثرة… والاتجاه.
الإحباط يجعل الإنسان يظن أحيانًا أن تعثره يعني أنه يسير في الطريق الخطأ،
مع أن الطريق الصحيح نفسه قد يكون مليئًا بالتعب والتأخير والانكسارات الصغيرة.
الإحباط كما يراه عبد الرحمن السميط
مشاريع لا تنجح كما خُطط لها، وقرى تعود إلى الفقر بعد تحسن، وأمراض تُبدّد سنوات من الجهد، وأزمات جديدة تظهر قبل أن تنتهي القديمة.
الإحباط هنا لم يكن ضعفًا، بل نتيجة طبيعية لإنسان يعمل داخل واقع معقّد،
واقع لا يستجيب بسرعة، ولا يكافئ المحاولة فورًا.
وهذا ما لا يفهمه كثيرون نحن نعيش في زمن يريد النتائج السريعة، والتحولات الفورية، والنجاح الذي يمكن قياسه بسرعة.
لكن الحياة الحقيقية لا تعمل بهذه الطريقة خصوصًا حين تتعامل مع الإنسان، ومع الفقر، والجوع، ومع مجتمعات تحمل جراحًا تراكمت لعقود طويلة.
الخطأ ليس أن تُحبط فالإحباط شعور بشري طبيعي.
الخطأ الحقيقي… أن تجعل الإحباط قائدًا للقرار.
كثيرون ينسحبون حين لا يرون نتائج واضحة، ثم يُعيدون تسمية انسحابهم بالواقعية.
لكن الواقعية ليست أن تتوقف، بل أن تفهم صعوبة الطريق… ثم تواصل رغم ذلك.
السميط كان واقعيًا فعلًا، لكنه لم يكن متشائمًا
كان يعرف أن الفشل المؤقت جزء من التعلّم، لا دليلًا على العبث.
كان يدرك أن بعض النجاحات لا تُرى فورًا، وأن بعض البذور تحتاج سنوات قبل أن تظهر فوق الأرض.
وفي المقابل، كان يعرف أيضًا أن بعض الإخفاقات تُعلّم أكثر من النجاح نفسه.
لأن النجاح قد يمنحك الثقة، لكن الفشل يمنحك الفهم.
الإحباط يصبح خطرًا حين يتحول من شعور عابر… إلى قناعة ثابتة: أن الجهد لا جدوى منه وهذه أخطر مرحلة.
لأن المشكلة الحقيقية لا تنتصر حين تبقى موجودة فقط، بل تنتصر حين تُقنعك أن المحاولة نفسها بلا معنى.
وهنا كان عبد الرحمن السميط مختلفًا لم يسمح للإحباط أن يُعيد تعريف الطريق.
كان يُراجع الوسائل، ويُعدّل الخطط، ويتعلم من الأخطاء، لكنه لم يُغيّر الهدف.
وهذا فرق عظيم.
بعض الناس حين يفشلون يظنون أن عليهم هدم كل شيء، بينما النضج الحقيقي أن تُدرك أن الخطأ قد يكون في الطريقة… لا في الطريق نفسه.
لهذا استمر ليس لأنه لم يتعب، ولا لأنه لم يشعر بالخذلان أحيانًا، بل لأنه كان يرى أن التوقف لن يُنقذ أحدًا.
في العمل الإنساني، أحيانًا يكون الاستمرار نفسه نوعًا من الانتصار.
أن تبقى حاضرًا رغم بطء النتائج، وأن تواصل رغم أن العالم لا يتغيّر بالسرعة التي تمنيتها، وأن تؤمن أن المحاولة الصادقة لها قيمة… حتى لو لم ترَ أثرها كاملًا.
ربما لن تسير الحياة كما خططنا دائمًا وربما ستتأخر النتائج، وتفشل بعض المحاولات، وتأتي لحظات نشعر فيها أن الطريق أطول مما توقعنا لكن هذا لا يعني أن الاتجاه خاطئ.
عبد الرحمن السميط يعلّمنا أن العثرة ليست نهاية، وأن التعب ليس دليلًا على عبث الطريق، وأن الإحباط، مهما كان ثقيلًا، لا يجب أن يتحول إلى هوية.
فالإنسان لا يُقاس بعدد المرات التي تعثّر فيها، بل بعدد المرات التي رفض فيها أن يجعل التعثر تعريفه الأخير.
وهنا الدرس الأصعب والأجمل معًا: أن تُكمل… وأنت لا تملك ضمانًا كاملًا، إلا صدق المحاولة، وإيمانًا هادئًا أن الخير الذي يُزرع بصدق… لا يضيع، حتى لو تأخر ظهوره.
واجعل شعارك
(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)
فكن أنت الفاتح الجديد
بقلم أيقونة الاتزان
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية







