السودانشئون عربية

يوميات وطن ينزف (17) الإعلام السوداني… الحقيقة العالقة بين الرصاص والصمت

       قلبي سوداني (14)

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في إحدى ليالي الخرطوم الثقيلة، كان الصحفي السوداني “محمد” يجلس داخل غرفة صغيرة، بالكاد يصلها الضوء.
في الخارج، كانت أصوات الرصاص أعلى من أي نشرة أخبار، والهاتف في يده، والإنترنت يختفي ويعود كأنّه يتنفّس بصعوبة بينما كان يحاول أن يرسل تقريرًا عن حيٍّ احترق قبل ساعات.

لم يكن يبحث عن سبق صحفي، ولا عن شهرة.
كان فقط يريد أن يقول للعالم:
هناك ناس يموتون هنا… فلا تدعوا الصمت يبتلعهم

أرسل التقرير أخيرًا، ثم أغلق هاتفه.
وفي الصباح، علم أن زميلًا له اختفى بعد ساعات من نشر مادة مشابهة.
ومنذ ذلك اليوم، صار محمد يحمل حقيبته دائمًا قرب الباب، كأنّه يعيش بين احتمالين: إما أن ينجو… أو أن يتحول هو نفسه إلى خبر.

هذه ليست قصة فردية في السودان اليوم، بل صورة متكررة لصحفيين يعيشون على حافة الخطر، ويحاولون أن يُبقوا الحقيقة حيّة وسط دخان الحرب.

في زمن الحروب، لا تُقتل الحقيقة بالرصاص فقط… أحيانًا تُقتل بالصمت.
والسودان اليوم يعيش واحدة من أخطر مراحله الإعلامية، حيث تحوّل المشهد إلى فسيفساء من الشائعات، والانحيازات، والقصص المبتورة، بينما تضيع الحقيقة بين خطوط النار.

الإعلام السوداني لم يعد إعلامًا يعمل داخل دولة مستقرة، بل صار إعلامًا يحاول النجاة داخل فوضى كاملة.
الفوضى لا تهدد المؤسسات وحدها، بل تهدد المعنى نفسه: معنى أن يعرف الناس ما يحدث فعلًا.

إعلام يعيش على حافة الخطر

الصحفي السوداني اليوم لم يعد مجرد ناقل خبر إنه شاهد يمشي فوق أرضٍ قابلة للانفجار في أي لحظة يخرج بالكاميرا كما لو أنه يحمل روحه بين يديه يكتب وهو يعرف أن كلمة واحدة قد تجعله هدفًا، أو تضع اسمه على قائمة لا يعود منها كثيرون.

فكثير من الصحفيين اعتُقلوا وكثيرون اختفوا وآخرون أُجبروا على مغادرة البلاد، ليس لأنهم أرادوا الرحيل، بل لأن البقاء صار مخاطرة مفتوحة.

وفي هذه الجغرافيا المحروقة، تتحول الكتابة إلى شكل من أشكال المقاومة.
ويصبح توثيق الحقيقة فعل شجاعة، لا مجرد مهنة.

الصحفي في السودان لم يعد يسأل فقط: ما الذي يحدث؟
بل يسأل نفسه قبل النشر: هل أستطيع النجاة بعد أن أقول ما يحدث؟

الإعلام المنقسم… وفقدان الثقة

أخطر ما يواجه السودان اليوم هو هذا التشظي الإعلامي الكبير:
منصات تنتمي لهذا الطرف، ومنصات تابعة للطرف الآخر، وبينهما أصوات تحاول أن تبقى محايدة، لكنها تُحاصر من الجميع.

النتيجة ليست فقط تضارب الأخبار، بل فقدان الناس لقدرتهم على الثقة حيث صار الخبر نفسه ساحة معركة.
كل طرف يريد روايته، وكل رواية تُقصي الأخرى، حتى أصبحت الحقيقة كأنها قطعة صغيرة ضائعة وسط ضجيج هائل.

لا توجد نافذة واحدة يرى السودانيون من خلالها أنفسهم بوضوح ولا صوت جامع يستطيع أن يقول:
هذه هي القصة كما حدثت، لا كما يريدها المنتصر

إعلام الناس… الصوت الذي خرج من تحت الركام

وفي غياب المؤسسات القوية، ظهر نوع آخر من الإعلام: إعلام الناس.

هواتف تُصوّر على عجل، رسائل صوتية تنتقل بين المدن، مقاطع قصيرة يرسلها شهود عيان، وبقايا شبكة إنترنت تحاول أن تحمل الحقيقة قبل أن تنقطع.

هذا الإعلام البسيط، غير المصقول، أصبح أحيانًا الأكثر صدقًا.
ليس لأنه كامل أو دقيق دائمًا، بل لأنه خالٍ من الحسابات الكبيرة.

  • مواطن يصور شارعًا مدمرًا لأنه لا يريد أن يُنسى.
  • أم تسجل صرختها لأنها تشعر أن العالم لا يسمعها.
  • شاب ينشر أسماء المفقودين لأنه يخاف أن يبتلعهم النسيان.

لكن حتى هذا الصوت لم يسلم من القمع: انقطاع متكرر للاتصالات، تشويش،
طرق مغلقة، ومحاولات دائمة لصناعة رواية واحدة تُفرض على الجميع.

الإعلام الخارجي… حين تصبح المأساة خبرًا عابرًا

في كثير من القنوات الدولية، يظهر السودان كأنه أزمة إضافية على شريط الأخبار: خريطة، أرقام، تحليل سياسي سريع، ثم ينتقل العالم إلى خبر آخر.

لكن السودان ليس “خبرًا عاجلًا” فقط إنه بلد ينزف ببطء.

لا أحد يرى بما يكفي: الأم التي تبحث عن طفلها بين مراكز النزوح، الرجل الذي خسر بيته خلال دقائق، المدينة التي تُقصف ثم تحاول أن تستيقظ في اليوم التالي وكأن شيئًا لم يحدث.

الإعلام الدولي غالبًا يريد قصة قصيرة، بينما السودان حكاية طويلة، معقدة، موجعة، لا يمكن اختصارها في تسعين ثانية.

خسارة الإعلام… خسارة الذاكرة

أخطر ما يمكن أن يحدث لبلدٍ يعيش الحرب، ليس فقط سقوط الضحايا، بل ضياع الذاكرة.

حين لا تُوثق الأحداث كما يجب، وحين تختلط الحقائق بالشائعات، يصبح من السهل أن يكتب الأقوى روايته، ويصبح من الصعب على الشعوب أن تحمي تاريخها.

الحرب ليست معركة على الأرض فقط، بل معركة على الوعي أيضًا.
ومن يربح الوعي… يربح المستقبل.

ومع ذلك… لا تزال الحقيقة تتنفس

رغم كل هذا الظلام، ما زال هناك من يصرّ على حمل الضوء.

  • صحفي يرسل تقريرًا من مدينة محاصرة.
  • مراسلة تعمل من غرفة معتمة داخل ملجأ.
  • مصور يلتقط صورة وهو يعرف أنها قد تكون الأخيرة في حياته.
  • مواطن ينشر مقطعًا بسيطًا لأنه يريد أن يقول للعالم: نحن ما زلنا هنا

هذه الشجاعة الصغيرة هي التي تُبقي الحقيقة حيّة وهي التي تمنع الحرب من أن تنتصر بالكامل.

السودان يحتاج أن يروي قصته بنفسه

السؤال اليوم ليس فقط: هل ينجو الإعلام السوداني؟
بل: هل ينجو حق السودانيين في أن تُروى قصتهم بصدق؟

النهوض ممكن، لكن بشروط واضحة:

  • حماية الصحفيين،
  • وبناء مؤسسات مستقلة،
  • وخلق مساحة لا يُعاقَب فيها الإنسان لأنه قال الحقيقة.

لأن الأوطان التي تفقد إعلامها الحر، تفقد ذاكرتها أولًا… ثم تفقد نفسها تدريجيًا.

ورغم كل شيء، سيبقى هناك دائمًا من يكتب، ومن يصوّر، ومن يخاطر بحياته كي لا تضيع الحكاية.

فالحقيقة، مهما حوصرت، تملك قدرة غريبة على النجاة.
والسودان، الذي يحاول العالم أحيانًا أن يختصره في خبر عابر،
سيظل أكبر من الصمت… وأكبر من النسيان.

 

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

زر الذهاب إلى الأعلى