الكونغو الديمقراطية: تفشي إيبولا يتطلب وقف عاجل لإطلاق النار

كتبت: د. هيام الإبس
في الوقت الذي تتواصل فيه الصراعات المسلحة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، برز عامل جديد يضاعف الضغوط على الأطراف المتحاربة والمجتمع الدولي. لقد تحول تفشي فيروس إيبولا إلى أزمة صحية تواجه تحديات أمنية معقدة، مهدداً بتوسيع دائرة المعاناة الإنسانية في واحدة من أكثر مناطق أفريقيا هشاشة. وبينما كانت الدعوات إلى وقف إطلاق النار تستند سابقاً إلى اعتبارات سياسية وأمنية، باتت اليوم مدفوعة بمخاوف صحية متزايدة من خروج الوباء عن السيطرة نتيجة استمرار العنف وصعوبة وصول المساعدات الطبية.
تحذيرات أوروبية: وقف القتال طوارئ صحية ملحة
جاءت التحذيرات الدولية الأحدث خلال زيارة مفوضة إدارة الأزمات في الاتحاد الأوروبي، هادجا لحبيب، إلى إقليم إيتوري شرق الكونغو الديمقراطية. وأكدت لحبيب أن وقف إطلاق النار لم يعد مجرد مناورة أو ضرورة سياسية، بل أصبح “حالة طوارئ صحية ملحة” في ظل الانتشار المتسارع للمرض.
وأشارت المفوضة الأوروبية إلى أن العاملين في المجالين الإنساني والصحي يحتاجون إلى ضمانات أمنية صارمة تتيح لهم الوصول بأمان إلى السكان المتضررين، وتقديم الخدمات الطبية العاجلة في المناطق الساخنة التي تشهد انتشاراً للفيروس.
إقليم إيتوري: صراع مسلح وتدهور في البنية التحتية
يُعد إقليم إيتوري حالياً مركز تفشي الوباء، لكنه في الوقت ذاته يمثل القوة الحاضنة لأعقد النزاعات الأمنية؛ حيث يعاني الإقليم منذ سنوات من نشاط جماعات مسلحة متعددة، أبرزها حركة “إم 23” (M23) المدعومة من رواندا، والتي سيطرت خلال الأشهر الماضية على مساحات واسعة شرق البلاد.
ولا تتوقف التحديات عند الجانب الأمني فقط، بل يساهم تدهور البنية التحتية وغياب الطرق المعبدة في جعل الوصول إلى القرى والبلدات المتضررة أمراً بالغ الصعوبة حتى في الظروف الطبيعية، فكيف هو الحال في ظل النزاع المسلح المستمر؟
لغة الأرقام: حصيلة ضحايا إيبولا ومخاوف من تمدد إقليمي
تعكس الأرقام الرسمية الصادرة حجم التحدي المخيف الذي يواجه السلطات الكونغولية والمنظمات الدولية:
-
داخل الكونغو الديمقراطية: أعلنت الحكومة تسجيل 488 إصابة مؤكدة بفيروس إيبولا و86 حالة وفاة منذ الإعلان الرسمي عن تفشي المرض في 15 مايو الماضي.
-
المحيط الإقليمي: أكدت منظمة الصحة العالمية تسجيل 19 إصابة إضافية في دولة أوغندا المجاورة.
وتوضح هذه الأرقام المتصاعدة أن الأزمة باتت تهديداً إقليمياً عابراً للحدود يستوجب احتواءه سريعاً قبل خروج الأوضاع عن السيطرة.
سلالة “بونديبوجيو”: غياب اللقاحات يزيد من خطورة الوضع
يزيد من خطورة الوضع الوبائي الحالي أن السلالة المنتشرة هي سلالة “بونديبوجيو”، وهي من السلالات النادرة نسبياً مقارنة بالسلالات الأخرى التي شهدتها أفريقيا خلال العقود الماضية.
وحتى الآن، لا يتوفر لقاح أو علاج نوعي معتمد طبيّاً لهذه السلالة، مما يضع السلطات الصحية أمام خيار وحيد وهو الاعتماد الكلي على إجراءات العزل الصحي، الرصد المبكر، وتتبع المخالطين كوسيلة أساسية للحد من انتشار المرض.
استجابة دولية: جسر جوي أوروبي لإغاثة مدينة “بونيا”
في محاولة لمحاصرة الأزمة، أعلن الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” عن إطلاق جسر جوي إنساني إلى مدينة بونيا، عاصمة إقليم إيتوري.
-
شملت الشحنة الأولى 100 طن من المساعدات الإنسانية والطبية (أدوية، معدات حماية، خيام، مستلزمات طوارئ).
-
كشف المسؤولون الأوروبيون عن خطط مجدولة لتنظيم 5 رحلات إضافية خلال الفترة المقبلة لتعزيز قدرات المنظومة الصحية هناك.
تداخل الأمن والصحة: دروس مستفادة من الأوبئة السابقة
يرى مراقبون أن الأزمة الحالية تمثل نموذجاً واضحاً للتداخل الحتمي بين استتباب الأمن والصحة العامة في مناطق النزاع. فالحرب لا تكتفي بحصد الأرواح بالقصف والرصاص، بل تضعف وتدمر قدرة المؤسسات الصحية على مواجهة الأوبئة.
وقد أظهرت التجارب السابقة مع أوبئة إيبولا في الكونغو أن نجاح الاستجابة الطبية يرتبط طردياً بقدرة الفرق الطبية على التحرك بحرية. ففي أزمات سابقة، تسببت الهجمات المسلحة في تعطيل حملات التوعية، التطعيم، والرصد الوبائي، مما ساهم بشكل مباشر في إطالة أمد الوباء وزيادة وفياته.