تقرير حقوقي دولي يتهم حركة “إم23” ورواندا بارتكاب جرائم حرب وتجنيد الأطفال شرق الكونغو

كتبت – د. هيام الإبس
عادت أزمة شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى واجهة الاهتمام الدولي مجدداً بعد صدور تقرير حقوقي جديد يرسم صورة قاتمة للأوضاع الإنسانية والأمنية في المنطقة. التقرير يتهم حركة “إم23” المسلحة والقوات الرواندية بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ويأتي في وقت تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء النزاع الأكثر تعقيداً واستمراراً في القارة الإفريقية، حيث تتداخل المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية عبر الحدود.
“هيومن رايتس ووتش” توثق فظائع ممتدة بين 2024 و2025
أصدرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” تقريراً مطولاً من 78 صفحة يوثق حملة واسعة من الاعتقالات التعسفية، والتجنيد القسري، والتعذيب، والقتل، والتي استهدفت آلاف المدنيين والمقاتلين الأسرى في إقليمي شمال كيفو وجنوب كيفو في الفترة الممتدة بين منتصف عام 2024 ونهاية عام 2025.
واستند التقرير إلى مقابلات مع أكثر من مئة شخص، بينهم محتجزون سابقون وشهود ومصادر أممية وعسكرية ودبلوماسية، إضافة إلى تحليل صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو المتحقق منها.
معسكرات احتجاز سرية وإعدامات ميدانية للمخالفين
بحسب التقرير، نفذت حركة “إم23″، بدعم مباشر من القوات الرواندية، حملات منظمة لتجنيد المدنيين والمقاتلين السابقين بعد توسيع سيطرتها على مساحات واسعة من شرق الكونغو خلال عام 2025.
ونُقل آلاف الأشخاص إلى معسكري “رومانغابو” و”تشانزو” في شمال كيفو، حيث تعرضوا لظروف احتجاز قاسية شملت:
-
الضرب المبرح والتجويع المتعمد.
-
العمل القسري والعقوبات البدنية المهينة.
-
إعدامات ميدانية فورية بحق كل من حاول الفرار أو خالف التعليمات.
مأساة تجنيد الأطفال واستغلال القاصرين عسكرياً
تكتسب هذه الاتهامات خطورة استثنائية بسبب ما ورد بشأن تجنيد الأطفال؛ حيث أشارت المنظمة إلى أن بعض المجندين كانوا في الثانية عشرة من العمر فقط.
وأُجبر الأطفال على الخضوع لتدريبات عسكرية وأداء أعمال شاقة داخل المعسكرات، وتحدث محتجزون سابقون عن تكليف الأطفال بحراسة المعتقلين والمشاركة في تنفيذ العقوبات بحق زملائهم، مما يعكس حجم الانتهاكات الصارخة التي يواجهها جيل المستقبل في الإقليم.
شهادات الناجين: أكد عدد من المحتجزين السابقين أن نقص الغذاء والمياه والرعاية الطبية أدى لوفاة أعداد كبيرة، مشيرين إلى مشاهدتهم لعمليات دفن جماعي لمحتجزين قضوا نتيجة المرض أو التعذيب. ويرجح التقرير وفاة المئات داخل هذه المعسكرات خلال عام 2025.
أدلة تثبت “السيطرة الفعلية” للجيش الرواندي
في واحدة من أكثر النقاط حساسية، يربط التقرير بين هذه الجرائم والدور العسكري الرواندي. فقد أكد شهود عيان رؤية جنود روانديين يديرون عمليات الاعتقال والتدريب والإشراف، واستندت الإفادات إلى طبيعة الزي العسكري والمعدات واللهجات المستخدمة، فضلاً عن تقارير أممية تؤكد مشاركتهم الميدانية.
ويذهب التقرير إلى أن حجم الوجود العسكري الرواندي ونطاق تأثيره قد يرقى، وفق القانون الدولي الإنساني، إلى مستوى “السيطرة الفعلية” على أجزاء من شرق الكونغو الديمقراطية، وهو ما يفتح الباب قانونياً أمام مساءلة ومحاكمة مسؤولين روانديين.
أزمة دبلوماسية ممتدة بين كينشاسا وكيجالي
تأتي هذه التطورات في سياق أزمة ممتدة؛ حيث تتهم الحكومة الكونغولية (كينشاسا) جارتها رواندا (كيجالي) بدعم حركة “إم23” عسكرياً ولوجستياً، بينما تنفي السلطات الرواندية ذلك وتؤكد أن تدخلاتها تهدف لحماية حدودها ومواجهة الجماعات المسلحة الأخرى.
ورغم تركيز التقرير على حركة “إم23” ورواندا، فإنه سلط الضوء أيضاً على استمرار دوامة العنف التي تغذيها جماعات مسلحة متعددة جعلت المدنيين الحلقة الأضعف في صراع الموارد والعرقيات. كما انتقد التقرير احتجاز الجيش الكونغولي لبعض الفارين (بمن فيهم الأطفال) واستجوابهم لفترات طويلة قبل نقلهم للسجون، مطالباً بتوضيح الأسس القانونية لذلك.
مطالبات دولية بعقوبات صارمة وتحرك الجنائية الدولية
دعت “هيومن رايتس ووتش” الجهات الدولية التالية للتحرك الفوري:
-
الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والأوروبي والولايات المتحدة: لاتخاذ خطوات صارمة والضغط على رواندا وحركة “إم23” لوقف الانتهاكات وفرض عقوبات إضافية على القادة المتورطين.
-
المحكمة الجنائية الدولية: لتوسيع تحقيقاتها الجارية في شرق الكونغو لتشمل وقائع التجنيد القسري، والتعذيب، والقتل الواردة في التقرير.
-
السلطات القضائية الكونغولية: للحفاظ على الأدلة المرتبطة بالانتهاكات في معسكري رومانغابو وتشانزو تمهيداً للمحاسبة.
وتظل التساؤلات قائمة حول ما إذا كانت هذه الضغوط الدولية ستقود أخيراً إلى محاسبة حقيقية، أم أن شرق الكونغو سيظل أسيراً لدائرة العنف والإفلات من العقاب التي رافقته لعقود طويلة.



