أراء وقراءات

يوميات وطن ينزف (18) مع الاعتذار لـ «أم 44».. حين يتحوّل حقد الاحتلال إلى إبرة تلسع الجميع

قلبي فلسطيني (4)

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في عالم السياسة، تدرك الدول العاقلة حجمها الحقيقي فتتصرف على هذا الأساس، بينما تُصاب كيانات أخرى بـ “فرط الثقة” لتبدو وكأنها قارة تمشي على قدمين. وبين هذا وذاك، يقف الكيان المحتل في مشهد يبدو أقرب إلى حشرة “أم 44″؛ صغيرة الحجم، سريعة الحركة، كثيرة الأرجل، وتلسع في عدة اتجاهات دفعة واحدة. من غزة إلى لبنان، ومن سوريا إلى إيران، يفتح الاحتلال كل الجبهات، لا بدافع الاضطرار دائماً، بل لأنه اعتاد العيش في اشتباك مستمر، كأن الاستقرار رفاهية لا يحتملها.

غزة ولبنان: جبهات مفتوحة ترفض الانكسار

في غزة والضفة الغربية والقدس، الحرب ليست مجرد عملية عسكرية، بل معركة مفتوحة على كل الاحتمالات قصف، حصار، ضغط إنساني، ومحاولة مستمرة لإعادة تشكيل الواقع بالقوة.
لكن المفارقة أن هذه الجبهة، رغم كل ما تعرضت له، لم تُغلق… بل بقيت مشتعلة، وكأنها تقول: “لسنا الحلقة الأضعف كما تظنون”

في لبنان، الجبهة الشمالية لا تهدأ توتر دائم، رسائل بالنار، وعمليات محسوبة بدقة، لكن بخطورة عالية فلا تبدو الأمور كحرب شاملة، لكنها أيضًا ليست سلامًا دائما.

سوريا وإيران: ضربات خاطفة ولعبة شطرنج معقدة

أما في سوريا، فالمشهد مختلف قليلًا ضربات جوية متكررة، أهداف محددة، ورسالة واضحة: “نحن هنا، ونستطيع الوصول”
لكن خلف هذه الرسالة، سؤال أكبر: إلى متى يمكن الاستمرار في هذا الإيقاع دون أن يتحول إلى مواجهة أوسع؟

ثم تأتي إيران…النار التي تحت الرماد والجبهة التي لا تُرى دائمًا، على الرغم من المواجهات المباشرة الأن لكنها حاضرة في كل الحسابات في صراع النفوذ، ولعبة الشطرنج الممتدة بين كل أطراف الصراع.
وهنا تحديدًا، يصبح المشهد أكثر تعقيدًا، لأن الخطأ الصغير قد يتحول إلى انفجار كبير.

وهم القوة المطلقة وسيكولوجية القلق

إذا جمعنا كل هذه الجبهات معًا، سنجد أنفسنا أمام صورة غريبة:
كيان صغير جغرافيًا، لكنه يتحرك كأنه في سباق مفتوح مع الجميع.
وهنا يعود التشبيه لأم 44 … لا تتوقف عن الحركة، ولا تكتفي بجبهة واحدة، وتظن أن كثرة الحركة تعني قوة مطلقة.

لكن الحقيقة التي لا يحبها أحد أن القتال على أكثر من جبهة ليس دائمًا دليل قوة… أحيانًا يكون دليل قلق.
فالذي يفتح كل هذه الملفات، قد لا يكون مطمئنًا كما يبدو، بل يحاول أن يسبق الخطر قبل أن يصل إليه.

المشكلة في هذا الأسلوب أنه يُرهق الجميع… بما فيهم صاحبه.
الاقتصاد يتأثر، المجتمع يعيش على حافة التوتر، والسياسة تتحول إلى إدارة أزمات لا تنتهي.
والمفارقة الأكبر أن “الردع” الذي يُراد تثبيته بالقوة، قد يتحول مع الوقت إلى حالة استنزاف.

وفي المقابل، الأطراف الأخرى ليست ساكنة.
غزة تُعيد تعريف الصمود، لبنان يوازن بين الرد والحساب، وسوريا وإيران تتحركان ضمن معادلات أعقد مما يبدو على السطح.
وهنا، تتحول المعركة من مجرد مواجهة عسكرية إلى صراع إرادات طويل النفس.

حتمية التاريخ: كثرة الحركة لا تعني الحكمة

السؤال الذي يفرض نفسه ببساطة: هل يمكن لكيان مهما امتلك من قوة أن يستمر في القتال على كل هذه الجبهات دون أن يدفع ثمنًا مضاعفًا؟

التاريخ يقول لا والواقع يهمس بالشيء نفسه، لكن بصوت أهدأ.

لأن القوة الحقيقية ليست في عدد المعارك التي تخوضها، بل في عدد المعارك التي تستطيع أن تنهيها دون أن تخسر نفسك.

وفي لحظة ما، ستجد “أم 44” نفسها أمام حقيقة بسيطة:
كثرة الأرجل لا تعني أنك الأسرع إلى الأبد…
وأحيانًا، لسعة واحدة في المكان الخطأ… كفيلة بأن تُنهي كل هذا الاستعراض.

في النهاية، تبقى القاعدة التي لا تتغير:
من يفتح كل الجبهات، عليه أن يكون مستعدًا لكل النهايات…
والتاريخ، كعادته، لا يرحم من يخلط بين الحركة الكثيرة… والحكمة القليلة.

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى