في ظلال رحلة المعراج الكونية (12) خصائص مفهوم الكون في العلوم الشرعية

بقلم / الدكتور سعد كامل
في إطار السلسلة المعرفية الممتدة لطرح المفهوم الشرعي للكون وفقًا لنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ننتقل في هذا المقال إلى استعراض تفاصيل أعمق حول طبيعة هذا المفهوم الرباني.
ونرى أن الرؤية الإسلامية للوجود لا تقف عند حدود المادة، بل تتجاوزها لتصيغ نموذجاً فريداً يفسر طبيعة الخلق ومكانة الإنسان فيه، حيث يتميز مفهوم الكون في العلوم الشرعية بثلاث خصائص رئيسية تؤسس لوعي إيماني وعلمي متكامل.
خصائص مفهوم الكون في العلوم الشرعية
أولا: الشمول: وذلك لأنه يشير إلى جميع ما يأذن به الخالق سبحانه وتعالى للبشر أن يعرفونه من مخلوقات عظيمة تتضمن السماوات السبع والأرضين السبع والكرسي والعرش والملائكة، كما أن هذا المفهوم لا يقتصر على طرح علاقات تلك المكونات بعضها ببعض في هذه الحياة الدنيا، بل يستكمل شموله بطرح أبعاد العلاقة بين تلك المكونات في اليوم الآخر -يوم القيامة-، كما يتضح لمن يدرس هذه النصوص.
ثانيا: بساطة العرض: بحيث لا يصعب على أقل البشر علما استيعاب تلك الأبعاد الضخمة وكذلك أكثرهم علما سواءا بسواء.
ثالثا: الواقعية: فهو يخاطب العقل البشري المحدود بما يلمسه من الكون، ثم ينتقل به للمفاهيم الأكبر بطريقة واضحة وواقعية وسهلة الاستيعاب.
وقد وصف القرآن الكريم ذلك في الآية 18 من سورة النجم في قوله تعالى: ((مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)) فهذه الرؤية اختص بها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، ويأمل كاتب هذه السطور أن يعرض في المقالات التالية تفاصيل وصف مكونات الكون في العلوم الشرعية بطريقة توضح الخصائص المذكورة أعلاه.
آمال التكامل بين العلوم الشرعية والعلوم المادية:
يظن الباحث أن هذه الخصائص للطرح القرآني والنبوي لمكونات الكون تؤكد بوضوح على محدودية العلم البشري الذي يقتصر في تناوله لمفهوم الكون على تلك الكرة الصغيرة المعروفة باسم الكون المدرك، التي تعتبر حلقة في فلاة نسبة لما فوقها من السماوات حتى السماء السابعة، والسماوات مجتمعة تمثل حلقة في فلاة نسبة إلى الكرسي، وكذلك الكرسي بالنسبة إلى العرش… فأين نحن من ذلك الملك العظيم؟
وقد أشار عدنان فقيه (2015) إلى إشكالية توظيف المعارف العلمية في تفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، مؤكدا على أن المعارف العلمية مهما بلغت من القوة فهي محدودة من حيث الصحة في مقابل الحقائق المطلقة التي تذكرها الآيات والأحاديث، ويقترح فقيه (2015) تقسيم الحقائق العلمية إلى نوعين:
اولا : حقائق مشهودة (مثل كروية الأرض) أي يدركها جميع البشر بحواسهم ويعمل العلم فقط على المساعدة في تحقق هذا الشهود،
ثانيا : مفاهيم مستنتجة (مثل دوران الأرض حول الشمس، والجاذبية) فهي مجرد حلول رياضية لوصف بعض الظواهر الكونية لكن قد تنهار عند ظهور صورة أكثر دقة في المستقبل. فإذا جاز لنا استخدام الحقائق المشهودة في توضيح الإعجاز العلمي في الآيات والأحاديث ووصف مكونات الكون، فينبغي الحذر من استخدام المفاهيم المستنتجة في ذلك مهما كثرت شواهدها.
دعوة لإنهاء الخصام بين العلوم المادية مع العلوم الشرعية
من هنا يتضح الدور الحقيقي للعلماء المؤمنين بالخالق العظيم في التفريق بين الحقائق المشهودة والمفاهيم المستنتجة بما يحقق الربط الدقيق بين النصوص الشرعية وبين الحقائق العلمية المشهودة، ويقترح كاتب هذه السطور أن تتشكل لجان علمية في كل تخصص من تخصصات العلوم المادية للعمل على تصفية المفاهيم العلمية -كل في تخصصه-، وذلك بهدف إنتاج موسوعات للحقائق العلمية المشهودة. فإن هذا الدور يعتبر من أفضل أبواب البحث العلمي لخدمة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
بناء على ما تقدم يمكن تحديد العلاقة بين العلوم المادية مع العلوم الشرعية، فهناك جوانب غيبية في كل علم من العلوم، بعض هذه الجوانب يمكن للبشر معرفتها من خلال الأدوات البحثية التجريبية (مثل: نوع الجنين، وبعض تراكيب المخ البشري… وغيرها من الأمور التي يمكن لكل متخصص أن يوضحها في حدود تخصصه الدقيق)، وهناك جوانب يستحيل معرفتها إلا من خلال الوحي السماوي (مثل: الروح البشرية، وبنية الكون والسماوات). بالتالي نحتاج في عصرنا الحاضر وبشدة إلى إنهاء الخصام العلماني مع العلوم الدينية الصحيحة.
د.سعد كامل
أستاذ مشارك في الجيولوجيا
الإسكندرية – مصر
saadkma2005@yahoo.com




