الرياضة

الوحدة الكروية… (1) حين تتحدث البشرية بلغة واحدة 

ست مليارات قلب ينبض بالإيقاع ذاته

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في زاوية مقهى شعبي في العاصمة المصرية القاهرة، يجلس شيخٌ سبعيني يراقب شاشة تلفاز قديمة بشغف طفل وفي اللحظة ذاتها، وبتطابق زمني يكسر حواجز الجغرافيا، يقف شاب أمريكي في حانة صاخبة بمدينة نيويورك، وتتوقف أنفاس فتاة مراهقة في حي من الصفيح في عاصمة الرأس الأخضر برايا، بينما يترقب رجل أعمال ياباني في شقته الفاخرة بطوكيو المشهد ذاته. 

حيث تتدحرج كرة من الجلد على عشب أخضر، يقترب بها لاعب من المرمى، يسدد، فتهتز الشباك في تلك الثانية أو أجزاء الثانية، يصرخ هؤلاء الأربعة الذين لا يتحدثون لغة بعضهم، ولا يعتنقون المعتقدات ذاتها، وتفصل بينهم محيطات وقارات وآلاف الأميال بصوت واحد، ويقفزون في الهواء بالوتيرة ذاتها.

هذا المشهد الإنساني المتكرر ليس ضرباً من الخيال المبالغ فيه، بل هو التجسيد الحي واليومي لأكبر ظاهرة سوسيولوجية (سوسيولوجية هو كل ما يتعلق بدراسة المجتمع وظواهره والعلاقات بين الأفراد) عرفتها البشرية في تاريخها الحديث انها كرة القدم.

لغة بلا أبجدية.. عولمة من نوع آخر

 

عندما نتحدث عن كرة القدم، فنحن لا نتحدث عن إحدى عشر لاعباً يركضون خلف كرة، بل نتحدث عن “لغة مشتركة” لا تحتاج إلى قواميس أو مترجمين فوريين أو معاهد لتعلمها إنها اللغة الوحيدة التي يتقنها أكثر من ست مليارات إنسان حول العالم، أي ما يقارب ثلاثة أرباع سكان الكوكب في هذا المونديال الذي يضم 48 منتخباً، يتجاوز المشهد حدود المنافسة الرياضية ليصبح أكبر ملتقى حواري للبشرية.

إن علم الاجتماع الحديث ينظر إلى اللغة على أنها أداة للتواصل ونقل المشاعر وبناء المجتمعات وبنفس المقاييس، تمتلك كرة القدم مفرداتها الخاصة التي يفهمها الجميع؛ فالبطاقة الحمراء تعني قانون العقاب العالمي، والهدف يمثل ذروة النشوة والانتصار الإنساني، ودموع الخسارة هي التعبير الأصدق عن الانكسار الذي لا يحتاج إلى شرح لقد نجحت كرة القدم في ما فشلت فيه السياسة والمنظمات الدولية؛ حيث خلقت عولمة شعورية، توحدت فيها استجابات البشر الفيزيولوجية والنفسية تجاه مؤثر واحد.

جغرافيا جديدة للكرة الأرضية

إذا نظرنا إلى خريطة العالم من منظور سياسي، سنجد أن الأمم المتحدة تضم في عضويتها 193 دولة معترفاً بها، بينما يضم الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) 211 اتحاداً وطنياً. هذا الرقم المذهل لا يعكس مجرد إحصائية رياضية، بل يحمل دلالة سياسية وثقافية عميقة: هناك أمم وكيانات تجد اعترافها ووجودها على خريطة كرة القدم قبل أن تجده على خريطة السياسة الدولية.

مع توسيع قاعدة المشاركة في كأس العالم لتشمل 48 منتخباً، نحن لا نشهد مجرد تعديل في لوائح بطولة، بل نشهد “ديمقراطية الفرح” هذا القرار يمنح دولاً وشعوباً كانت تقف دائماً في مقاعد المتفرجين، فرصة للصعود إلى المسرح العالمي إنها لحظة تُعطى فيها الدول الصغيرة أو النامية فرصة نادرة للوقوف الند للند أمام القوى العظمى اقتصادياً وعسكرياً، حيث لا تهم ميزانية الدفاع أو الناتج المحلي الإجمالي، بل إرادة أحد عشر رجلاً في المستطيل الأخضر.

سيكولوجيا الجماهير والمزاج العام للشعوب

في كتابه “سيكولوجية الجماهير”، يتحدث عالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون عن كيف يذوب الفرد في المجموع وتتكون “الروح الجماعية” حيث لا يوجد مكان تتجلى فيه هذه النظرية بوضوح تام كما تتجلى في ملاعب كرة القدم.                                             إن تأثير هذه اللعبة على المزاج العام للشعوب يتجاوز مجرد الترفيه العابر، ليصل إلى صميم الاستقرار النفسي والمجتمعي.

عندما يفوز منتخب وطني في بطولة كبرى، تحدث تفاعلات كيميائية جماعية في أدمغة الملايين؛ ترتفع معدلات هرمون “الدوبامين” و”الإندورفين” في دماء شعب كامل تشير دراسات اقتصادية واجتماعية إلى أن الانتصارات الكروية الكبرى تؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الإنتاجية، وانخفاض مؤقت في معدلات الجريمة، وزيادة في تماسك النسيج الاجتماعي المواطن الذي يخرج للاحتفال في شوارع العاصمة، يعانق غريباً لم يكن ليلقي عليه التحية في الأيام العادية تُلغى الفوارق الطبقية، ويختفي التمييز العرقي أو الديني خلف قميص المنتخب الوطني الذي يوحد الجميع تحته.

كأس العالم: أكبر مهرجان إنساني دوري

في عالمنا المليء بالصراعات والأخبار العاجلة المشبعة بالقلق، يأتي كأس العالم كل أربع سنوات بمثابة “هدنة إنسانية” غير معلنة هو ليس مجرد مسابقة تُمنح في نهايتها كأس من الذهب، بل هو مهرجان دوري يُذكّر البشرية بقدرتها على الاجتماع حول شيء سلمي وجميل.

تتحول المدن المستضيفة خلال البطولة إلى “يوتوبيا” مصغرة (واليوتوبيا هو المجتمع المثالي الذي يخلو من الشرور) حيث تتعانق الثقافات في الشوارع، وتتداخل الأهازيج بأصوات ولغات مختلفة، ويتبادل المشجعون القبعات والأوشحة في مشاهد تجسد الدبلوماسية الشعبية في أرقى صورها.                                   

كما لا توجد قمة سياسية في العالم قادرة على جمع مئات الآلاف من البشر من أكثر من 100 جنسية في مدينة واحدة، يتجولون بسعادة ويمارسون الاختلاف الثقافي بتسامح، كما يفعل كأس العالم.

كرة القدم… مرآة إنسانيتنا

وراء كل تمريرة وكل تصدٍ وكل هتاف، تكمن قصة إنسانية فكرة القدم هي الملاذ الأخير للفقراء ليصبحوا أبطالاً، وهي نافذة الأمل في مخيمات اللاجئين، وهي القوة الناعمة التي تعيد رسم الصور الذهنية للدول في عقول الملايين، وهي الميدان الذي تُصنع فيه الهويات الوطنية وتُصقل.

عندما نراقب ست مليارات شخص يتسمرون أمام الشاشات خلال شهر البطولة، يجب أن نتوقف قليلاً لنتأمل هذا السحر كيف لقطعة من الجلد المليء بالهواء أن تختزل كل هذه المشاعر الإنسانية المتباينة؟ كيف لها أن توقف الحروب مؤقتاً، وتفتح الحدود، وتجعل زعيماً سياسياً يقفز فرحاً كطفل صغير، وتدفع رجلاً صلباً للبكاء أمام الملايين دون خجل؟

إن الإجابة تكمن في أن كرة القدم، في جوهرها، هي انعكاس لرحلة الإنسان نفسها: فيها كفاح، وسقوط، ونهوض، وعدل، وظلم، وحظ، وعمل شاق، وفيها دائماً صافرة نهاية تضع حداً لكل شيء، لتبدأ بعدها قصة جديدة.

هكذا هي الوحدة الكروية؛ الميدان الأخير الذي تثبت فيه البشرية أنها، ورغم كل التصدعات والحروب والحدود، لا تزال قادرة على التحدث بلغة واحدة، ونبض إيقاع واحد، والشعور بفرح واحد يغمر الكوكب بأسره.

وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ لُعْبَةٍ، كَانَ شِعَارُهَا:

الْوَحْدَةُ الْكُرَوِيَّةُ.. شَغَفٌ يُوَحِّدُ الْوِجْدَانَ، وَلُغَةٌ يَفْهَمُهَا كُلُّ إِنْسَانٍ

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى