مفارقة أممية: الجوع العالمي يتراجع.. وأفريقيا تتصدر القائمة لأول مرة

كتبت – د. هيام الإبس
كشف التقرير السنوي الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) و4 وكالات أممية أخرى لعام 2026، عن مفارقة حادة في المشهد الغذائي الدولي؛ ففي الوقت الذي واصل فيه الجوع العالمي انخفاضه للعام الثالث على التوالي، قفزت القارة الأفريقية إلى صدارة الأزمة عالمياً لتنتزع المركز الأول من آسيا كأكثر القارات معاناة من نقص الغذاء.
وأوضح تقرير “حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026” أن نسبة الجوعى حول العالم تراجعت إلى 7.8% (نحو 645 مليون شخص) خلال عام 2025 مقارنة بـ 8.1% في العام الذي سبقه.
إلا أن هذا التراجع الشامل قسم الخريطة الدولية إلى مسارين متناقضين؛ إذ سجلت أفريقيا 309 ملايين جائع (أي ما يعادل واحداً من بين كل 5 أفارقة)، متجاوزة آسيا التي سجلت 292 مليون شخص.
أبعاد الأزمة الأشد غلاءً في القارة السمراء
أظهرت البيانات الأرقام الصادمة للواقع المعيشي داخل القارة الأفريقية:
-
عجز التغذية: يعاني أكثر من نصف سكان أفريقيا من درجات متوسطة أو شديدة من انعدام الأمن الغذائي.
-
الفجوة الاقتصادية: يعجز نحو 66.6% من السكان عن تحمل تكلفة نظام غذائي صحي ومتوازن، وهي النسبة الأعلى والأخطر عالمياً.
ثنائية الحروب والمناخ: محركات الانهيار الغذائي
عزا التقرير التدهور المتسارع في أفريقيا إلى تضافر مجموعة من العوامل الهيكلية والأزمات المركبة:
-
النزاعات والصراعات المسلحة: أدت الحرب في السودان إلى توقف شبه تام للإنتاج الزراعي وتشريد الملايين، بالتوازي مع تصاعد هجمات الجماعات المسلحة في دول الساحل وغرب أفريقيا، مما أعاق الحركة التجارية وشلّ سلاسل الإمداد.
-
التغيرات المناخية الجسيمة: تواصل موجات الجفاف المتعاقبة والفيضانات تدمير المحاصيل في منطقة القرن الأفريقي (خاصة الصومال وإثيوبيا وكينيا)، بينما تواجه مدغشقر ودول الجنوب الأفريقي مواسم جفاف استثنائية.
-
الضغوط الاقتصادية وتراجع الدعم: أسهم ارتفاع أسعار الطاقة وهبوط قيم العملات المحلية في تآكل القدرة الشرائية للأسر، وجاء ذلك بالتزامن مع انكماش المساعدات الإنسانية والإنمائية الدولية، مما ضاعف هشاشة الحكومات الأكثر فقراً.
تحذير أممي: “إن التقدم المحرز عالمياً لا يزال هشاً للغاية؛ وفي حال استمرار الصراعات وأزمات المناخ وتراجع التمويل، فإن عدد الجوعى بحلول عام 2030 سينحصر بين 510 و520 مليون شخص، مما يعني الإخفاق الساحق في تحقيق هدف التنمية المستدامة للقضاء على الجوع.”
مفارقة الوفرة والعجز: 60% من أراضي العالم بلا استغلال
أكد خبراء التنمية أن أزمة أفريقيا ليست مجرد أزمة إنتاج، بل هي “فشل هيكلي”؛ فالقارة تحتضن نحو 60% من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلة في العالم، ومع ذلك تستورد معظم احتياجاتها بسبب:
-
ضعف الاستثمارات في البنية التحتية وسلاسل التبريد والتخزين.
-
غياب التصنيع الزراعي وتراجع الدعم الموجه للبحث العلمي.
خارطة طريق للحل: الغذاء كأداة للاستقرار
اختتم التقرير بشرط أساسي لخروج أفريقيا من دائرة الخطر، وهو التحول الجذري نحو:
-
الزراعة الذكية مناخياً وتوسيع شبكات الري.
-
دعم التجارة البينية الأفريقية لتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية.
-
ربط الأمن الغذائي بسياسات الحماية الاجتماعية والصحة.
وشدد الخبراء على أن قضية الأمن الغذائي في أفريقيا تجاوزت البعد الإنساني المجرد لتصبح شرطاً وجودياً للاستقرار السياسي والأمني؛ حيث يمثل الاتساع في رقعة الجوع المظلة الأولى لتغذية النزاعات، وتصاعد الهجرة غير النظامية، وتسهيل تجنيد الشباب لدى الجماعات المسلحة.




