فاتح أفريقيا الجديد (25) المرأة الإفريقية… القلب النابض للحياة اليومية

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
في كتابه (لبيك إفريقيا) وفي أكثر من لقاء تلفزيوني، تحدث الدكتور عبد الرحمن السميط عن مشاهد كثيرة هزّت وجدانه خلال سنوات عمله الطويلة في القارة الإفريقية، لكن من أكثرها تأثيرًا ما كان يراه مع بزوغ الفجر في القرى النائية.
كان الرجال قد غادر بعضهم إلى الحقول أو إلى أعمالهم البسيطة، بينما تبدأ النساء رحلة أخرى لا تقل مشقة عن أي معركة.
كان يرى المرأة تحمل طفلها على ظهرها، وتمسك بيد طفل آخر، ثم تمضي مسافات طويلة تحت شمس حارقة بحثًا عن الماء وقد تقطع عدة كيلومترات حتى تصل إلى بئر أو مستنقع، ثم تعود بالحمل نفسه، لتبدأ بعد ذلك إعداد الطعام، ورعاية الأطفال، والعناية بكبار السن، والعمل في الزراعة أو جمع الحطب، قبل أن ينتهي اليوم لتبدأ الرحلة نفسها في صباح اليوم التالي.
لم يكن هذا المشهد استثناءً في قرية واحدة، بل كان واقعًا متكررًا شاهده السميط في مناطق عديدة من إفريقيا.
العمود الذي يمنع الأسرة من السقوط
من هنا أدرك أن أكثر من يحمل أعباء الفقر ليس دائمًا من يتحدث عنه العالم، بل من لا يجد وقتًا أصلًا ليتحدث.
هناك فهم حقيقة عميقة: أن المرأة الإفريقية ليست مجرد فرد في الأسرة، بل هي العمود الذي يمنع الأسرة كلها من السقوط فحين ينهار كل شيء، تبقى المرأة واقفة.
ليست لأنها لا تتعب، ولا لأنها خُلقت من مادة مختلفة عن بقية البشر، بل لأنه في كثير من الأحيان لا يوجد سواها.
حين يغيب الرجل بسبب المرض، أو الحرب، أو الفقر، أو الموت، لا تتوقف الحياة، بل تبدأ المرأة رحلة أصعب.
- هي التي تحمل الماء.
- وهي التي تبحث عن الطعام.
- وهي التي تداوي الطفل المريض بما تملك، حتى وإن لم تملك سوى الدعاء.
- وهي التي تحاول أن تُبقي البيت حيًا، حتى وإن كانت الجدران نفسها توشك على الانهيار.
لهذا لم ينظر عبد الرحمن السميط إلى المرأة الإفريقية باعتبارها صورة تُستخدم لإثارة التعاطف، أو مشهدًا عابرًا في تقارير المنظمات الإنسانية، بل رآها القلب النابض للحياة اليومية، والحائط الأخير قبل الانهيار الكامل.
الفقر كما تعرفه المرأة الإفريقية بأقدامها المتشققة
العالم كثيرًا ما يتحدث عن الفقر باعتباره أزمة اقتصادية لكن المرأة الإفريقية تعرفه بطريقة مختلفة تمامًا تعرفه في قدميها اللتين تشققتا من السير الطويل وفي كتفيها اللذين حملا الماء والحطب والأطفال معًا وفي يديها اللتين تعملان طوال النهار، ثم تعودان في الليل لتصنعان من القليل حياة تستحق أن تُعاش.
الفقر بالنسبة إليها ليس رقمًا في تقرير دولي إنه تعب يسكن جسدها وهمٌّ يرافقها منذ أن تستيقظ حتى تغفو.
وفي كثير من القرى، حين يموت الرجل، تموت معه الحماية الاقتصادية للأسرة.
لكن المرأة لا تملك رفاهية السقوط لا تتوقف لتبكي طويلًا ولا تنتظر أن يأتي أحد لينقذها، بل تمسح دموعها، ثم تكمل الطريق.
أعظم صور البطولة الإنسانية
وهنا كان السميط يرى أعظم صور البطولة الإنسانية:
- بطولة لا تصنعها الكاميرات.
- ولا تتصدر عناوين الأخبار.
- ولا تُمنح بسببها الأوسمة.
بل تعيشها ملايين النساء بصمت، كل يوم.
التنمية الحقيقية.. تبدأ من تعليم المرأة وتمكينها
لذلك لم يكن غريبًا أن يولي عبد الرحمن السميط اهتمامًا كبيرًا بالمرأة في معظم مشاريعه التنموية.
كان يعلم أن بناء مدرسة للبنات ليس خدمة لفتاة واحدة، بل حماية لجيل كامل وكان يدرك أن رعاية الأم تعني حماية الأسرة كلها.
وكان يؤمن أن المرأة المتعلمة لا تغيّر حياتها وحدها، بل تغيّر مستقبل أطفالها، ثم مجتمعها بأكمله.
لهذا لم تكن برامج تعليم البنات، ومراكز رعاية الأمهات، ومشروعات التمكين الاقتصادي للنساء، مجرد أعمال خيرية بالنسبة إليه، بل كانت ضرورة إنسانية وتنموية لا يمكن تجاوزها.
لقد فهم مبكرًا أن أي مشروع يتجاهل المرأة، مهما بدا ناجحًا على الورق، سيظل مشروعًا ناقصًا.
لأن المجتمع لا يقف على قدم واحدة ولأن التنمية التي لا تصل إلى المرأة، لن تصل إلى البيت، والبيت الذي لا يتغير، لن يتغير المجتمع من بعده.
ولعل أكثر ما ميّز نظرة السميط أنه لم يتحدث عن المرأة كثيرًا بقدر ما استمع إليها.
كان يجلس مع الأمهات في القرى، ويسأل عن احتياجاتهن الحقيقية، لا عن الاحتياجات التي يتخيلها القادم من الخارج.
كان يعرف أن الحلول الجاهزة لا تصنع تغييرًا دائمًا أما الاستماع الصادق، فيصنع حلولًا تنبع من الناس أنفسهم.
لهذا جاءت كثير من مشروعاته استجابة لما كانت تحتاجه المجتمعات بالفعل، لا لما كانت تراه التقارير مناسبًا.
عدالة بسيطة.. لا استعطاف!
واليوم، حين نتحدث عن التنمية، كثيرًا ما ننشغل بالمباني والطرق والمشروعات الكبرى لكننا ننسى أن أعظم استثمار يمكن أن تقدمه أي أمة هو أن تخفف الحمل عن المرأة التي تحمل الجميع.
فليست المرأة الإفريقية بحاجة إلى امتيازات استثنائية ولا إلى كلمات عاطفية تُقال في المناسبات إنها تحتاج إلى عدالة بسيطة.
- أن تجد ماءً قريبًا فلا تضيع نصف يومها في البحث عنه.
- وأن تجد مدرسة لابنتها.
- ومركزًا صحيًا يحمي طفلها.
- وفرصة عمل تحفظ كرامتها.
- وأن تشعر، ولو لمرة واحدة، أن العالم يراها.
لقد علّمنا عبد الرحمن السميط أن كرامة المجتمع لا تبدأ من أبراج المدن، ولا من حجم اقتصاده، ولا من عدد مشروعاته العملاقة، بل تبدأ من أكثر أفراده تعبًا.
- من المرأة التي تحمل على كتفيها ما تعجز عن حمله المؤسسات.
- ومن الأم التي تزرع الأمل في بيت فقير رغم كل أسباب اليأس.
- ومن تلك اليد المتعبة التي تصنع الحياة بصمت، بينما ينشغل العالم بالحديث عنها.
لهذا، لم تكن المرأة الإفريقية فصلًا هامشيًا في قصة عبد الرحمن السميط، بل كانت قلب الحكاية وكان إنصافها جزءًا من إنصاف الإنسان نفسه.
ولعل أعظم درس تتركه لنا سيرته أن المجتمعات لا تُقاس بطريقة تعاملها مع الأقوياء، بل بطريقة وقوفها إلى جانب من يحملون أثقل الأعباء دون أن يسمع أحد أنينهم.
فإذا أردنا أن نبني مستقبلًا أكثر عدلًا، فلنبدأ بمن حملت الحياة فوق كتفيها سنوات طويلة دون أن تطلب تصفيقًا أو شفقة.
فالمرأة التي تحمل المجتمع بصمت، تستحق أن يحملها المجتمع بالعدل.
هذا هو المعنى الحقيقي للتنمية… أن يشعر أكثر الناس تعبًا، ولو مرة واحدة، أن هذا العالم لم ينسه.
واجعل شعارك
(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)
فكن أنت الفاتح الجديد
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية









