قراءة في تحولات المواجهة الإقليمية وتبعية السلاح المنفلت
بقلم: ماجد الجميل
أثار القصف الأخير الذي شنته المملكة العربية السعودية بالتعاون مع القوات الأمريكية ضد فصائل مسلحة في العراق ردود فعل واسعة؛ حيث تشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن هذا الاستهداف لم يكن مجرد ضربة لفصائل محلية، بل طال عمق المنظومة العسكرية التي تنفذ الاستراتيجية الإيرانية على الأراضي العراقية والإقليمية.
“عملياً وفعلياً، قصفت السعودية قوات إيرانية مسلحة تتواجد على الأرض العراقية باسم فصائل عراقية، بعد أن انصهرت في أيدولوجيا الهيمنة والتوسع على حساب أمن واستقرار دول المنطقة.”
اعتداءات متكررة واستراتيجية الوكالة
على مدار السنوات الماضية، شنت الفصائل المسلحة الخاضعة للتعليمات المباشرة من قيادة الحرس الثوري الإيراني هجمات متكررة طالت الأراضي السعودية والمنشآت الحيوية في دول الخليج. وتأتي هذه التطورات لتؤكد دور هذه الفصائل كأداة تنفيذية بالوكالة لتخفيف الضغط عن طهران وتثبيت النفوذ الإقليمي دون تكلفة مباشرة للجندي الإيراني.
استهداف الداخل العراقي: الرادارات والمنشآت النفطية
لم تقتصر عمليات هذه الفصائل على دول الجوار فحسب، بل امتدت لتطال البنية التحتية والمكتسبات الوطنية داخل العراق نفسه خدمةً للقرار الخارجي، وتتجلى هذه الممارسات في شواهد بارزة:
-
تدمير منظومات الرادار الوطنية: عقب حرب الإثني عشر يوماً (حزيران 2025) ودخول اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل حيز التنفيذ، أقدمت عناصر محسوبة على الحشد الشعبي على تفجير 4 رادارات حيوية (معسكر التاجي، مطار بغداد، قاعدة بلد العسكرية، وقاعدة الناصرية) بقيمة تقدّر بـ 1.2 مليار دولار؛ بذريعة أنها لم تُستخدم لتنبيه وتغطية المجال الجوي الإيراني.
-
ضرب قطاع الطاقة الوطني: استهداف المنشآت النفطية وشركات التنقيب الأجنبية في الجنوب العراقي بهدف عرقلة الإمدادات وتقليل الضخ في الأسواق العالمية اتساقاً مع الأهداف السياسية والحروب الاقتصادية التي تخوضها طهران.
إشكالية الولاء وميزانية الدولة
على الرغم من أن القانون العراقي يدرج هيئة الحشد الشعبي ضمن المنظومة الدفاعية للبلاد، إلا أن الواقع العملي يظهر تبعية القرار والعمليات لرئاسة الحرس الثوري وليس لرئيس الوزراء أو القيادة العسكرية العراقية. ويقتصر ارتباط هذه التنظيمات بالدولة العراقية على تغطية النفقات المباشرة، من رواتب وأسلحة ونفقات تشغيلية ودورات تدريبية.
كما تمتد مهام هذه التشكيلات خارج الحدود لتشمل المشاركة في صراعات إقليمية وتنفيذ أجندات سياسية تتجاوز حدود السيادة المفهومة للجيش الوطني.
غياب الردع الحكومي وحق الدفاع عن النفس
أمام عجز الحكومات المتعاقبة عن ترجمة شعار “حصر السلاح بيد الدولة” وعدم اتخاذ إجراءات صارمة لمنع انطلاق الهجمات من الأراضي العراقية نحو دول الجوار، وجدت المملكة العربية السعودية نفسها أمام فرضية استخدام حق الدفاع الشرعي عن النفس لحماية أراضيها ومنشآتها.
ويررى متابعون أن هذا التحرك، وإن جاء متأخراً بحسب تقييمات المشهد الميداني، يمثل رسالة حازمة تجاه الفصائل التي تجاوزت سلطة بغداد وأضرت بالعلاقات العربية والإقليمية.
ماجد جميل
كاتب صحفي عراقي
29 تموز 2026




