أراء وقراءاتالرياضة

الوحدة الكروية… حين تتحدث البشرية بلغة واحدة (8) من الخصومة إلى المصافحة.. حكايات صنعتها الكرة

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

تخترق الساحرة المستديرة حواجز الجغرافيا، وتتجاوز تعقيدات السياسة وأحقاد الحروب، لتبرهن عبر تاريخها الممتد أنها ليست مجرد رياضة تنافسية، بل هي اللسان المشترك الذي يتحدث به العالم أجمع، وصمام الأمان الإنساني الذي يعيد الدفء إلى العلاقات البشرية حين تجمدها الخصومات.

من الخصومة إلى المصافحة..حدث في الحرب العالمية الأولى

في شتاء عام 1914 القارس، وتحت سماء أوروبية ملبدة بدخان البارود، كانت الحرب العالمية الأولى تطحن الأخضر واليابس.
في منطقة “فلاندرز” البلجيكية، تمترس الجنود البريطانيون والألمان في خنادقهم الموحلة، تفصل بينهم أمتار قليلة من الأسلاك الشائكة وحقول الألغام التي عُرفت باسم “المنطقة الحرام”.
مع حلول عشية عيد الميلاد، حدث شيء يشبه المعجزة؛ صمتت المدافع فجأة، وخرج الجنود من خنادقهم بحذر، تاركين بنادقهم خلفهم.
لم تكن هناك معاهدة سلام رسمية، بل رغبة إنسانية عفوية في الحياة ومن بين الركام، ظهرت كرة قدم.
انخرط الأعداء الذين كانوا يتبادلون القتل قبل ساعات في مباراة ارتجالية لكرة القدم تعالت الضحكات بدلاً من صرخات الألم، وامتزجت الأنفاس اللاهثة في صقيع الشتاء.
في تلك الدقائق، لم يكن هناك جندي بريطاني وآخر ألماني، بل مجرد شبان يركضون خلف كرة، يستعيدون إنسانيتهم المسلوبة.
لقد جسدت “هدنة الميلاد” تلك الحقيقة الأنصع في تاريخ الرياضة: حين تعجز السياسة عن إيقاف الموت، تتدخل كرة القدم لتصنع الحياة، محولةً أعتى ساحات الخصومة إلى فضاء للمصافحة والسلام.

“حرب بلا رصاص”.. تفريغ الاحتقان التاريخي عبر الرياضة

وصف الكاتب البريطاني جورج أورويل الرياضة ذات مرة بأنها “حرب بلا رصاص”، ورغم القسوة الظاهرة في هذا التعبير، إلا أنه يحمل في طياته تفسيراً سوسيولوجياً عميقاً لدور كرة القدم في امتصاص الاحتقان الدولي.
إن البشرية، بطبيعتها وتاريخها، مشبعة بالتنافس والرغبة في إثبات التفوق وبدلاً من تصريف هذه النزعات عبر الصراعات المسلحة المدمرة، توفر كرة القدم ميداناً آمناً، تحكمه قوانين صارمة، وحكم محايد، ومدة زمنية محددة بتسعين دقيقة، لتفريغ هذا الشحن العاطفي والتاريخي.
عندما تلتقي دولتان تفصل بينهما نزاعات حدودية أو تراكمات تاريخية من العداء على أرض الملعب في منافسات كأس العالم، تتحول المباراة إلى “معادل موضوعي” للمعركة، ولكن دون دماء.
تتركز أنظار الجماهير المتوترة على الأقدام لا على الزناد حتى النهاية، وبغض النظر عن النتيجة، ينتهي هذا الصراع الرمزي بمصافحة بين قائدي الفريقين، ليثبتا للعالم ولمليارات المتابعين أن التنافس، مهما بلغ مداه، يجب أن يخضع لقواعد اللعب النظيف والاحترام المتبادل.

كوريا واليابان 2002: كيف أذابت الكرة جليد التاريخ؟

لا يقتصر دور كرة القدم على إيقاف الخصومات المؤقتة، بل يمتد ليكون أداة استراتيجية في “الدبلوماسية التصالحية” وتضميد الجراح التاريخية الغائرة ولعل أبرز مثال حديث على ذلك هو التنظيم المشترك لبطولة كأس العالم عام 2002 بين كوريا الجنوبية واليابان.
تاريخياً، كانت العلاقات بين طوكيو وسيول مثقلة بعقود من الاستعمار والعداء المرير والتوترات السياسية المعقدة ومع قرار منحهما شرف التنظيم المشترك للبطولة الأكبر عالمياً، وجد البلدان نفسيهما مجبرين على الجلوس إلى طاولة واحدة، وتنسيق الجهود الأمنية والاقتصادية واللوجستية ما بدأ كشراكة تنظيمية مفروضة، تحول تدريجياً إلى تواصل شعبي وثقافي غير مسبوق.
سافرت الجماهير الكورية إلى المدن اليابانية، واحتفل اليابانيون في شوارع سيول لقد أجبرت كرة القدم السياسيين على طي صفحة الماضي، ووفرت للجماهير فرصة لرؤية “الآخر” من منظور الشريك في النجاح، وليس من منظور العدو التاريخي لقد أذابت حرارة المدرجات جليداً سياسياً تراكم لقرن من الزمان.

تبادل القمصان.. ميثاق الشرف الإنساني

في كل مباراة كبرى، ننتظر جميعاً تلك اللحظة التي تعقب صافرة النهاية؛ حين يتوجه لاعب من الفريق الفائز إلى آخر من الفريق الخاسر، يتبادلان العناق، ثم يخلعان قمصانهما ليتبادلاها أمام عدسات الكاميرات.
هذا الطقس البسيط يمثل واحداً من أعمق رموز السلام والمساواة في العصر الحديث.
في كأس العالم عام 1970، التقت البرازيل وإنجلترا في مباراة وُصفت بالملحمية بعد انتهاء المواجهة، اتجه الأسطورة البرازيلية “بيليه” نحو قائد الدفاع الإنجليزي الصلب “بوبي مور” رغم التنافس الشرس طوال المباراة، تعانق الرجلان بحرارة وتبادلا القمصان، في صورة خلدها التاريخ.
لقد كان ذلك العناق بين اللاعب الأسود القادم من أمريكا اللاتينية واللاعب الأبيض القادم من أوروبا، رسالة صامتة تهدم كل حواجز العنصرية والطبقية وتؤكد على “الاحترام المطلق”.
إن تبادل القميص هو اعتراف ضمني ومتبادل بأننا “وإن كنا خصوماً طوال تسعين دقيقة، فإننا في النهاية إخوة في الإنسانية، تجمعنا ذات الرقعة الخضراء وذات الشغف”.

مونديال الـ 48.. منصة موسعة لحوار الأقدام

في عالمنا المعاصر، حيث تتزايد التوترات الإقليمية وتُبنى جدران العزلة من جديد، يكتسب قرار توسيع كأس العالم 2026 ليضم 48 منتخباً بُعداً وقائياً لا يمكن تجاهله فزيادة عدد المشاركين تعني بالضرورة زيادة في احتمالات المواجهة بين دول متجاورة قد تشهد علاقاتها الدبلوماسية فتوراً أو قطيعة.
تخيل معي أن تلتقي دولتان لا توجد بينهما رحلات طيران مباشرة بسبب خلافات سياسية، في المونديال سيرفرف العلمان جنباً إلى جنب في الملعب، وسيُعزف النشيدان الوطنيان في سلام، وستنقل شاشات التلفزة في كلا البلدين نفس الصورة. مثل هذه “المواجهات الإجبارية” التي يخلقها المونديال تمثل قنوات خلفية للدبلوماسية؛ فهي تكسر الجمود، وتعيد أنسنة الخصم، وتثبت لصناع القرار أن الشعوب قادرة على التنافس بشرف دون الانزلاق إلى مستنقع الكراهية.
المونديال بنسخته الموسعة هو بمثابة طاولة مفاوضات مستديرة، تتسع للجميع، ولا يُستبعد منها أحد لأسباب أيديولوجية.

صمام الأمان العاطفي للبشرية

إن الحكايات التي تصنعها كرة القدم لا تُكتب بحبر المعاهدات السياسية، بل تُنقش بعرق اللاعبين ودموع الجماهير من خنادق “فلاندرز” في الحرب العالمية الأولى، مروراً بشراكة كوريا واليابان، وصولاً إلى كل مصافحة تبدد غيوم التوتر بين لاعبين كانا يتقاتلان على الكرة قبل ثوانٍ؛ تثبت هذه اللعبة أنها صمام الأمان العاطفي للبشرية.
إن “الخصومة” في المستطيل الأخضر ليست سوى قناع مؤقت، يسقط فور سماع الصافرة الأخيرة، ليكشف عن وجه الإنسانية الأصيل الذي يتوق دائماً إلى “المصافحة”.
في عالم منقسم ومشتت، يظل كأس العالم هو ذلك التذكير الدوري والضروري بأننا أقوى معاً، وأن أقصى أشكال التنافس بيننا يمكن أن تُحل بكرة من الجلد، وميدان أخضر، وروح رياضية تتسامى فوق الجراح لتبني جسوراً متينة من الأمل والسلام.

وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ لُعْبَةٍ، كَانَ شِعَارُهَا:
الْوَحْدَةُ الْكُرَوِيَّةُ.. شَغَفٌ يُوَحِّدُ الْوِجْدَانَ، وَلُغَةٌ يَفْهَمُهَا كُلُّ إِنْسَانٍ


السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

زر الذهاب إلى الأعلى