أراء وقراءات

فاتح أفريقيا الجديد (26) الماء… حين تتحول رحلة الحياة إلى رحلة شقاء

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في عالم يتحدث كثيراً عن التنمية وحقوق الإنسان، تظل معركة العطش هي التحدي الأكبر الذي يواجه ملايين البشر يومياً. لم تكن تجربة الدكتور عبد الرحمن السميط في إفريقيا مجرد نشاط إغاثي، بل كانت فلسفة عمل ميدانية أثبتت أن الكرامة الإنسانية تبدأ من توفير الاحتياجات الأساسية.

وفي هذا التقرير للدكتور أحمد سمير ، والذي ينشر في موقع ” وضوح الإخباري” ضمن سلسلة ( فاتح أفريقيا الجديد ) نستعرض كيف أحدثت قطرة الماء فرقاً بين البقاء والاندثار، وكيف تحول حفر الآبار إلى رسالة حياة وأمل صامتة أعادت ترتيب أولويات مجتمعات كاملة.

الطريق إلى الله يمر أحيانًا عبر بئر ماء

في عدد من لقاءات الدكتور عبد الرحمن السميط، روى أن كثيرًا من القرى التي كان يصل إليها في افريقيا كانت النساء والأطفال فيها يقطعون عدة كيلومترات يوميًا للحصول على الماء، وأن هذا الماء لم يكن دائمًا صالحًا للشرب، بل كان في أحيان كثيرة يُجلب من برك ومستنقعات تتشارك فيها الحيوانات مع البشر.

كان يرى بعينيه كيف تتحول قطرة الماء إلى معركة يومية، وكيف يُسرق من أعمار الناس جزء كبير لمجرد البحث عن حقٍّ بديهي في الحياة.

فلسفة العمل الإنساني عند عبد الرحمن السميط

كان عبد الرحمن السميط يعرف أن الطريق إلى القلب لا يمر دائمًا عبر الأعمال الكبرى، بل عبر الاحتياجات الصغيرة التي تُهملها الفلسفات المتعالية.

في إحدى القرى، وقف طفل ينظر إلى الماء الخارج من بئرٍ جديد، لم يصفّق، لم يهتف، اكتفى بأن غمس يده، ثم نظر إليها طويلًا كأنها معجزة.

ذلك الطفل لم يحتجْ إلى درسٍ في العقيدة كان بحاجة إلى سبب ليشعر أن الله لم ينسه.

  • فحين شرب الناس، سألوا.
  • وحين سألوا، استمعوا.
  • وحين استمعوا، فهموا.

هكذا كانت الدعوة في الميدان: لا تبدأ بـ “قال الله، بل تبدأ بـ “تفضل ما تحتاجه  كم يبدو هذا بسيطًا وكم هو معقّد أيضا في عالم يحب الكلام أكثر من الفعل.

امرأة مسنّة قالت له ذات يوم دون أن تعرف اسمه ولا خلفيتهأنتم لا تعطوننا ماءً فقط… أنتم تُعيدوننا إلى الحياة

هذه الجملة، في ميزان السميط، كانت أعظم من ألف شهادة تقدير.

الاستدامة والتخطيط: آبار تمنح الأمل وتستمر

من هنا، لم يعد الماء بالنسبة إليه مجرد مورد طبيعي، ولا مشروعًا هندسيًا، بل أصبح سؤالًا أخلاقيًا كبيرًا: كيف يمكن لإنسان أن يعيش بكرامة إذا كان يقضي نصف حياته بحثًا عن الماء؟

هكذا بدأت واحدة من أعظم رسائل عبد الرحمن السميط في إفريقيا؛ رسالة لم تُكتب بالحبر، بل حُفرت في الأرض آبارًا، وفي القلوب أملًا.

نحن نفتح صنبور الماء كل صباح، فينساب الماء دون أن نفكر كثيرًا في الرحلة التي قطعها حتى يصل إلينا لا نحسب المسافة، ولا الزمن، ولا الجهد، ولا نتوقف لنتخيل أن هناك ملايين البشر حول العالم يبدأ يومهم بسؤال واحد : من أين سنحصل على الماء اليوم؟

ففي كثير من مناطق إفريقيا، لم يكن الماء خدمة عامة، بل كان رحلة شاقة تتكرر كل يوم رحلة تبدأ قبل شروق الشمس، وقد لا تنتهي إلا بعد ساعات طويلة.

رحلة تحمل فيها المرأة أو الطفل وعاءً يكاد يكون أثقل من جسده، ويسير به عبر طرق ترابية قاسية، تحت شمس لا ترحم، فقط ليعود بما يكفي الأسرة ليوم واحد.

مشروعً لتحرير الإنسان

هنا لم يكن الماء مجرد وسيلة لإرواء العطش.

  • بل كان الحياة نفسها.
  • كان يعني أن يطبخ الطعام.
  • وأن تُغسل الجروح.
  • وأن يذهب الطفل إلى المدرسة بدلًا من قضاء نصف يومه في حمل الأوعية.
  • وأن تجد الأسرة فرصة لتفكر في المستقبل، بدلًا من أن تظل أسيرة احتياجاتها الأولى.

لهذا لم ينظر عبد الرحمن السميط إلى حفر الآبار بوصفه مشروعًا للبنية التحتية، بل رآه مشروعًا لتحرير الإنسان.

  • كان يعلم أن أول خطوة نحو التعليم قد تبدأ من بئر.
  • وأول خطوة نحو الصحة قد تبدأ من بئر.
  • وأول خطوة نحو الكرامة قد تبدأ من بئر.

فكيف يمكن لطفل أن يتعلم، وهو يقضي ساعات طويلة كل يوم في البحث عن الماء؟                                                                                         

وكيف يمكن لأم أن تعتني بأطفالها وهي تستنزف قوتها في رحلة لا تنتهي؟          

  وكيف يمكن لمجتمع أن يتقدم، بينما أهم طاقاته البشرية تُستهلك في تأمين أبسط مقومات الحياة؟

لقد فهم السميط أن معركة الإنسان مع الأساسيات هي أخطر المعارك كلها.             

فالإنسان الذي لم يحسم معركة الماء، لن يستطيع أن يبدأ معركة العلم.               

  والإنسان الذي يقضي يومه بحثًا عن مصدر للشرب، لن يجد وقتًا ليفكر في بناء مستقبله.

التغيير الصامت: عندما تبدأ التنمية من البئر

لهذا لم يكن  السميط يكتفي بحفر بئر ثم يغادر كان يسأل أسئلة ربما لا يلتفت إليها كثيرون.

  • هل مصدر الماء آمن؟
  • هل كمية المياه تكفي أهل القرية؟
  • هل ستظل البئر صالحة للعمل بعد سنوات؟
  • هل توجد جهة محلية تستطيع صيانتها؟

كان يدرك أن البئر التي تتوقف بعد أشهر ليست حلًا، بل وعدًا مؤجلًا بالألم أما الحل الحقيقي، فهو الذي يستمر حتى بعد رحيل من صنعه.

لهذا ارتبطت مشروعات المياه في أعماله بالتخطيط، والمتابعة، وإشراك أبناء القرى أنفسهم في المحافظة عليها، حتى تصبح ملكًا للمجتمع، لا هدية مؤقتة من أحد.

وحين كان الماء يصل إلى القرية، لم يكن التغيير صاخبًا ولم تكن هناك احتفالات كبيرة.

لكن الحياة كلها كانت تتغير بصمت؛ حيث تختصر المرأة ساعات طويلة من السير لتستغل هذه الساعات في تحسين شؤونها وشؤون أسرتها، ويعود الأطفال إلى مقاعد الدراسة لتختفي الأمية خطوة بخطوة، وتتحسن الصحة العامة، وتقل الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة، ويبدأ الناس في التفكير بما هو أبعد من مجرد البقاء على قيد الحياة.

هذه هي المعجزات الحقيقية ليست تلك التي تملأ العناوين، بل التي تغيّر تفاصيل الحياة اليومية دون ضجيج.

لقد كان السميط يؤمن أن الماء ليس نعمة فحسب، بل رسالة احترام.

حين تضع الماء قريبًا من بيت إنسان، فأنت لا تمنحه لترًا إضافيًا من الماء فقط، بل تمنحه ساعات إضافية من عمره وتمنحه فرصة ليتعلم وفرصة ليعمل وفرصة ليحلم.

كأنك تقول له دون كلمات: وقتك له قيمة… وحياتك تستحق أن تُعاش بكرامة.

لذلك لم يكن يحفر آبارًا فقط، بل كان يختصر أعمارًا أُهدرت في الطرق الطويلة وكان يعيد ترتيب الأولويات في حياة قرى كاملة.                                                وكان يمنح الإنسان فرصة أن يعيش حياته، بدلًا من أن يقضيها باحثًا عن أسباب بقائها.

الماء النظيف أول حقوق الإنسان 

ولعل المؤلم أننا في عالم يتحدث كثيرًا عن حقوق الإنسان، ما زلنا ننسى أن أول هذه الحقوق هو أن يجد الإنسان ماءً نظيفًا يشربه.

نتحدث عن التنمية، بينما هناك من لم يحسم بعد معركة العطش.                         

ونتحدث عن التعليم، بينما طفل يغيب عن مدرسته لأن عليه أن يجلب الماء. ونتحدث عن الكرامة، بينما امرأة تستنزف نصف عمرها في رحلة لا ينبغي أن يقوم بها أحد.

لقد علّمنا عبد الرحمن السميط أن التنمية لا تبدأ من المؤتمرات، بل من حاجات الإنسان الأولى وأن أعظم المشروعات ليست تلك التي تبدو ضخمة في التقارير، بل تلك التي تغيّر حياة الناس بصمت وربما لهذا بقي أثره حيًا بعد رحيله.

لأن كل بئر حُفرت لم تكن مجرد حفرة في الأرض، بل كانت نافذة فُتحت للحياة وكل قطرة ماء وصلت إلى قرية عطشى كانت تقول لأهلها إن هذا العالم لم ينسهم بعد.

الإيمان والكرامة: عندما يتكلم العدل كل اللغات

ويبقى السؤال الذي يضعه السميط أمام ضمير كل واحد منا سؤالًا بسيطًا، لكنه ثقيل المعنى: كيف نتحدث عن الكرامة الإنسانية، بينما لا يزال ملايين البشر يقطعون ساعات طويلة كل يوم بحثًا عن كوب ماء؟

فالكرامة لا تبدأ بالخطب، ولا بالشعارات، ولا بالبيانات إنها تبدأ أحيانًا… من بئر ماء.

ومن يدٍ امتدت إلى إنسان عطشان، لا لتمنحه ماءً فقط، بل لتعيد إليه شيئًا من حقه في الحياة.

عبد الرحمن السميط لم يكن يصنع معجزات، كان يصنع مقدمات للإنسان أن يؤمن أن لديه كرامة.
وحين يؤمن الإنسان بكرامته، يصبح الإيمان بالله خطوة طبيعية، لا قفزة مفروضة.

هنا تكمن الفلسفة التي غابت عنا طويلًا: أن الطريق إلى الله لا يُفرض من أعلى، بل يُفتح من أسفل من حيث يقف الإنسان متعبًا، عطشانًا، ومنسيًا.

عبد الرحمن السميط فهم ذلك ولذلك لم يكن غريبًا أن يُسْلِمَ الناس على يديه
الغريب فقط أننا ما زلنا نظن أن الإيمان يُلقَى، ولا يُزرَع.

فالإسلام، حين يُترجم إلى عدل، يتكلم كل لغات العالم لا يحتاج مترجمًا، ولا شرحًا مطوّلًا.

 

واجعل شعارك

(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)

فكن أنت الفاتح الجديد

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى