أراء وقراءات

فاتح أفريقيا الجديد (28) التعليم… السلاح الذي لا يُطلق نارًا بل يملك قرارا

قوة التعليم كأداة لتحرير الإنسان وتغيير مجرى المستقبل

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في رحلات عبد الرحمن السميط لإفريقيا، لم يكن يرى المدرسة من بعيد كان يدخل إليها، ويجلس بين الأطفال، وينظر إلى الوجوه الصغيرة التي تحمل أسئلة أكبر من أعمار أصحابها.

كان يعرف أن الطفل الذي يجلس اليوم أمام معلمه، قد يكون غدًا طبيبًا، أو معلمًا، أو مزارعًا، أو قائدًا لمجتمعه.

وكان يعرف أيضًا شيئًا أكثر قسو أن الطفل الذي يُحرم من التعليم لا يخسر كتابًا فقط… بل قد يخسر قدرته على اختيار مستقبله.

التعليم المعركة الأعمق للسميط في أفريقيا 

لهذا لم يكن التعليم في تجربة عبد الرحمن السميط مشروعًا جانبيًا، ولا مبنى يُضاف إلى قائمة الإنجازات، ولا رقمًا جديدًا في تقرير سنوي.

كان جزءًا من معركة أعمق معركة الإنسان ضد الجهل، والفقر، والاستغلال، والتهميش في أماكن كثيرة من العالم، فالتعليم حق.

أما في أجزاء واسعة من إفريقيا التي عمل فيها السميط، فقد كان التعليم فرصة نادرة، يصل إليها من حالفه الحظ، بينما يبقى آخرون خارج المدرسة لأن الطريق إليها أطول من قدرتهم، أو لأن الأسرة لا تملك ما يكفي، أو لأن الطفل نفسه يتحول مبكرًا إلى عامل يحمل عبء البيت بدل أن يحمل حقيبته وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فالطفل الذي لا يتعلم لا يبقى جاهلًا فقط، بل يصبح أكثر عرضة لأن يصدّق أي شيء وأن يقبل أي شيء وأن يسمح للآخرين بأن يقرروا عنه كل شيء.

لأن الجهل لا يسلب الإنسان المعلومات فقط، بل يسلبه جزءًا من قدرته على الاختيار.

التعليم أخطر من أي سلاح

لهذا كان التعليم، في نظر السميط، أخطر من أي سلاح لأنه لا يقتل أحدًا بل يمنع أسباب القتل من جذورها.

لا يهدم الإنسان بل يهدم الجهل الذي يُبقي الإنسان ضعيفًا.

ولا يفرض عليك طريقًا بل يمنحك القدرة على اختيار طريقك بنفسك:

  • فمن يملك المعرفة لا يُسلّم عقله بسهولة.
  • ومن يقرأ، يبدأ في السؤال.
  • ومن يسأل، يبدأ في التفكير.
  • ومن يفكر، يصبح أكثر قدرة على معرفة حقه، والدفاع عنه، وصناعة مستقبله.

هنا تتحول المدرسة من غرفة صغيرة فيها سبورة ومقاعد إلى مساحة لتحرير الإنسان.

قوة التعليم 

كان السميط يفهم أن بناء مدرسة أسهل من بناء إنسان، لكنه كان يعرف أيضًا أن الإنسان يبدأ من هناك.

  • من مقعد صغير.
  • من قلم.
  • من كتاب.
  • من معلم يقول لطفل فقير للمرة الأولى: أنت تستطيع.

قد تبدو هذه الجملة بسيطة لكنها بالنسبة لطفل عاش سنوات وهو يسمع أنه أقل من غيره، قد تكون بداية حياة كاملة.

فالطفل لا يحتاج إلى المعرفة وحدها يحتاج أيضا أن يكتشف أن له قيمة:

  • وأن صوته مسموع.
  • وأن مستقبله ليس نسخة إجبارية من فقر والديه.
  • وأن المكان الذي وُلد فيه لا يجب أن يكون حكمًا نهائيًا على المكان الذي سيصل إليه.

هنا تكمن قوة التعليم.

فالتعليم لا يغيّر يوم الإنسان فقط بل يغيّر علاقته بالغد.

  • الماء ينقذ الإنسان من العطش.
  • والغذاء ينقذه من الجوع.
  • والدواء ينقذه من المرض.

أما التعليم، فيمنحه شيئًا آخر: القدرة على أن يساعد نفسه، وأن يساعد غيره، وأن يصنع حلولًا تتجاوز لحظة المساعدة.

التعليم أكثر المشاريع الإنسانية احتياجًا إلى الصبر

لهذا كان التعليم من أكثر المشاريع الإنسانية احتياجًا إلى الصبر.

  • فالبئر يمكن أن ترى نتيجته في اليوم الذي يصل فيه الماء.
  • والدواء يمكن أن يظهر أثره بعد ساعات أو أيام.
  • أما المدرسة، فقد تبني إنسانًا يحتاج إلى سنوات حتى يظهر أثره.

تعلّم طفلًا اليوم ثم انتظر قد لا ترى النتيجة غدًا ولا بعد عام لكن بعد عشر سنوات، قد تجد الطبيب الذي عالج قرية كاملة، أو المعلم الذي علّم مئات الأطفال، أو المهندس الذي عاد ليبني في المكان الذي خرج منه.

وهنا يصبح المشروع أكبر من صاحبه وهذا تحديدًا ما يجعل التعليم استثمارًا في المستقبل، لا مجرد استجابة للحاضر.

المشكلة أن العالم يحب النتائج السريعة يحب الصور التي يمكن التقاطها والأرقام التي يمكن إعلانها والمشروعات التي يمكن قياسها خلال أشهر.

أما التعليم، فهو أكثر تواضعًا من ذلك لا يصرخ لا يطلب التصفيق ولا يعطيك دائمًا نتيجة جاهزة للنشر.

هناك طفل يجلس كل صباح يقرأ يكتب يخطئ، ثم يتعلم، ثم يعود في اليوم التالي ثم بعد سنوات يصبح شيئًا آخر تمامًا.

السميط يرفض عقلية الزيارة العابرة

لهذا يحتاج التعليم إلى نفس طويل والسميط كان يعرف قيمة النفس الطويل لأنه لم يكن يتعامل مع إفريقيا بعقلية الزيارة العابرة.

كان يعرف أن المجتمعات لا تتغير بحملة، ولا تُبنى بخطاب، ولا تُخرج من الفقر بمشروع واحد.

التغيير الحقيقي يحتاج إلى منظومة: تعليم، وصحة، وماء، وغذاء، وتأهيل، وتمكين، وثقة، ثم وقت، ووقت طويل.

لذا كان التعليم هو الخيط الذي يربط كل هذه الأشياء ببعضها

  • فالماء يمنحك وقتًا.
  • والتعليم يعلمك كيف تستثمر هذا الوقت.
  • والصحة تحمي قدرتك على التعلم والعمل.
  • والعمل يمنحك استقلالًا.
  • والاستقلال يعيد إليك كرامتك.

لهذا لا يمكن النظر إلى التعليم باعتباره مشروعًا منفصلًا عن بقية احتياجات الإنسان إنه أحد المفاتيح التي تفتح الأبواب الأخرى.

التعليم في إفريقيا لم يكن ترفًا كان مقاومة صامتة :

  • ضد أن يبقى الإنسان مجرد يد عاملة رخيصة.
  • وضد أن يتحول الفقر إلى قدر دائم.
  • وضد أن يرث الطفل مستقبل والديه كما يرث اسمه.
  • وضد أن يبقى الإنسان مجرد رقم في تقرير عن الفقر أو الأمية.

كان التعليم يقول للطفل: أنت لست رقمًا أنت بداية.

وهذه ربما كانت واحدة من أعمق الأفكار في تجربة عبد الرحمن السميط لم يكن يريد فقط أن يطعم الإنسان اليوم كان يريد أن يساعده على ألا يحتاج إلى من يطعمه غدًا لم يكن يريد فقط أن يعالج المرض كان يريد أن يخلق وعيًا يحمي الإنسان من أسباب المرض ولم يكن يريد فقط أن يحفر بئرًا كان يريد أن يصل الإنسان إلى مرحلة يستطيع فيها أن يبني حياته بكرامة.

 الفارق بين الإغاثة والتنمية

الإغاثة تنقذك من السقوط أما التنمية فتعلمك كيف تقف والتعليم هو أحد أهم الأدوات التي تجعل الوقوف ممكنًا.

  • كم من طفل كان يمكن أن يصبح شيئًا عظيمًا، لكنه لم يجد مدرسة؟
  • كم من عقل أُغلق قبل أن يُفتح؟
  • كم من موهبة ماتت لأن صاحبها لم يجد من يقول له: جرّب؟

وكم من مجتمع خسر طبيبًا، أو معلمًا، أو مهندسًا، أو قائدًا، لأن طفلًا لم يحصل على فرصة عادلة في البداية؟

هذه الأسئلة لا تظهر في تقارير الأرقام بسهولة.

  • لكنها موجودة خلف كل رقم.
  • خلف كل نسبة أمية، هناك طفل.
  • وخلف كل طفل محروم من التعليم، هناك مستقبل محتمل لم يُمنح فرصة.

التعليم حق للمجتمع كله

لهذا فإن التعليم ليس مجرد حق فردي إنه حق للمجتمع كله.

حين تعلم طفلًا، أنت لا تغيّر حياته وحده أنت تغيّر الأسرة التي سيؤسسها والأبناء الذين سيأتي بهم والأشخاص الذين سيعلمهم والمجتمع الذي سيعيش فيه.

إنك تزرع أثرًا يتكاثر دون أن يحتاج إلى إعلان.

هنا نفهم لماذا كان السميط صبورًا كان يعرف أن أعظم الأشجار لا تبدأ شجرة تبدأ بذرة والبذرة لا تُلام لأنها لم تصبح شجرة في اليوم الأول.

ولعل أعظم ما يمكن أن نتعلمه من تجربة عبد الرحمن السميط أن العمل الإنساني الحقيقي لا ينبغي أن يكتفي بإزالة الألم، بل يجب أن يسأل:

  • لماذا حدث الألم؟
  • وكيف نمنع تكراره؟

فإذا كان الجوع مشكلة، فإطعام الإنسان ضرورة لكن تعليمه وتمكينه من العمل طريق للخروج من دائرة الجوع.

وإذا كان الفقر مشكلة، فالمساعدة قد تنقذ اليوم لكن المعرفة والمهارة والعمل قد يغيرون السنوات القادمة.

وإذا كان الاستغلال نتيجة للجهل والتهميش، فإن التعليم يصبح شكلًا من أشكال الحماية.

لهذا لم يكن التعليم عند السميط مجرد سبورة وكتاب كان دفاعًا عن الإنسان دفاعًا عن حقه في أن يفهم وفي أن يسأل وفي أن يختار وفي أن يقول: أنا أستطيع أن أصنع مستقبلي.

الاستثمارًا في الإنسان

وفي عالمنا اليوم، ما زال السؤال قائمًا هل ننظر إلى التعليم باعتباره خدمة تقدمها الدولة أو المؤسسة أو الجمعية؟

أم نفهمه باعتباره استثمارًا في الإنسان؟

لأن الفرق بين السؤالين كبير.

  • الأول يبحث عن عدد المدارس.
  • والثاني يبحث عن عدد الأرواح التي تغيرت داخل هذه المدارس.
  • الأول يهتم بالمبنى.
  • والثاني يهتم بما يحدث داخل عقل الطفل.
  • الأول يحسب المقاعد.
  • والثاني يسأل: كم طفلًا أصبح قادرًا على الوقوف في الحياة؟

من هنا نعود إلى الهدف من المقالة.

إننا لسنا جميعًا قادرين على بناء مدرسة في إفريقيا لكننا جميعًا قادرون على

  • أن نفتح باب معرفة أمام إنسان.
  • أن نعلّم طفلًا.
  • أن ندعم طالبًا.
  • أن نمنح شابًا فرصة.
  • أن نشارك معرفة بدل أن نحتكرها.
  • أن نؤمن بإنسان قبل أن يؤمن هو بنفسه.

لأن المعرفة التي تمنحها اليوم قد تصبح غدًا حياة كاملة لإنسان لم تعرف حتى اسمه.

فلسفة المدارس عند السميط 

رحل عبد الرحمن السميط لكن المدارس التي تعلّم فيها الأطفال، والمعارف التي انتقلت من عقل إلى عقل، والأجيال التي حصلت على فرصة لم تكن متاحة لها من قبل، كلها تقول شيئًا واحدًا: إن الإنسان لا يُنقذ فقط عندما نعطيه ما يحتاج إليه اليوم، بل عندما نساعده على امتلاك القدرة التي يحتاج إليها غدًا.

  • وهنا تصبح المدرسة أكثر من مدرسة.
  • والكتاب أكثر من كتاب.
  • والمعلم أكثر من موظف.
  • والطفل أكثر من طفل.

يصبح كل واحد منهم مشروع مستقبل لذلك، إذا كان السلاح يفرض الصمت بالقوة، فإن التعليم يكسر الصمت بالوعي.

وإذا كانت بعض الأسلحة تستطيع أن تغيّر حدودًا، فإن المعرفة تستطيع أن تغيّر الإنسان نفسه.

والإنسان الذي تغيّر من الداخل يستطيع أن يغيّر العالم من حوله.

ربما لهذا كان التعليم في تجربة عبد الرحمن السميط أخطر مشروع.

لأنه لم يكن يصنع تابعين كان يصنع عقولًا ولم يكن يملأ المدارس بالأطفال فقط كان يملأ المستقبل بالاحتمالات.

أهمية المعرفة 

وفي النهاية، قد لا يكون أعظم ما نفعله لإنسان فقير أن نعطيه شيئًا يمتلكه اليوم، بل أن نمنحه شيئًا لا يستطيع أحد أن يسلبه منه غدًا: المعرفة.

فالماء قد ينقطع والطعام قد ينفد والمال قد يضيع لكن العقل الذي تعلّم يصعب أن يعود إلى ظلامه الأول.

لهذا سيبقى التعليم واحدًا من أنبل أشكال الرحمة؛ لأنه لا يقول للإنسان: سأعيش بدلًا منك.

بل يقول له: سأساعدك حتى تستطيع أن تعيش أفضل مني واقفًا على قدميك.                                 

وهذه ليست مساعدة عابرة هذه صناعة إنسان.

وصناعة الإنسان هي أطول وأصعب وأجمل وأجل معارك الخير دائما.

واجعل شعارك

(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)

فكن أنت الفاتح الجديد

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى