أزمة الطاقة في السودان تُشعل الاحتجاجات وتُهدد بانهيار المنظومة الإنسانية

كتبت – د.هيام الإبس
لم تعد أزمة انقطاع التيار الكهربائي في السودان مجرد قطوعات برمجية عابرة أو تعطل كلي في خدمات البنية التحتية، بل تحولت إلى فتيل يهدد بإنفجار أوضاع اجتماعية وإنسانية شديدة التعقيد. فبين حرارة صيف حارق تتجاوز فيه الدرجات حاجز الـ 42 مئوية، وحرب طاحنة مستمرة منذ أبريل 2023، يجد ملايين السودانيين أنفسهم محاصرين في ظلام يمتد لأكثر من 18 ساعة يومياً؛ ظلام لا يتوقف عند حدود المنازل، بل يتمدد ليشمل شللاً كاملاً في المستشفيات، وتوقفاً لشرايين المياه، وغلياناً متصاعداً في الشارع.
القطاع الصحي.. مواجهات يومية مع الموت
في أروقة المرافق الطبية المتبقية، تخوض الكوادر الطبية معركة بقاء يومية. فقد خرجت معظم المستشفيات عن الخدمة نتيجة القصف المتواصل أو غياب الطاقة الشامل، فيما تعاني المرافق العاملة من عجز شديد عن تشغيل أجهزة الأشعة وغرف العمليات.
ويعكس وضع المواطن “عبد الله السيد” وحجم المعاناة الإنسانية التي يعيشها السكان؛ إذ اضطر بعد انتظار دام ساعات في إحدى مستشفيات حي “الدروشاب” شمال الخرطوم بحري، للعودة بابنته ذات السبع سنوات دون إجراء فحوصات إشعاعية حيوية، بعدما توقفت المعدات فجأة بسبب انقطاع التيار.
وفي أم درمان، تؤكد الدكتورة “أمينة” أن المرافق الصحية أضحت تستقبل موجات متزايدة من المرضى المصابين بأمراض ناتجة عن استخدام مياه غير صالحة للشرب، وذلك بالتوازي مع شح حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية وتكرار انقطاع الطاقة عن حواضن الأطفال وأجهزة التبريد.
غضب الشارع وتمدد الاحتجاجات
تداعيات الأزمة امتدت سريعاً إلى الفضاء العام؛ إذ شهدت عدة ولايات، أبرزها الخرطوم والبحر الأحمر، موجة احتجاجات شعبية غاضبة.
إغلاق الطرق الحيوية: أغلق محتجون عدداً من المحاور الرئيسية احتجاجاً على تردي الخدمات وانقطاع المياه والكهرباء المتواصل.
قطع شريان الإمداد: شهدت منطقة “جبيت” بولاية البحر الأحمر إغلاقاً للطريق القومي الرابط بين بورتسودان والعاصمة، وسط تصاعد منسوب الغضب الشعبي جراء تدهور الأوضاع المعيشية وتغاضي السلطات عن تقديم معالجات عاجلة.
استهداف البنية التحتية وتداعي شبكات الطاقة
من جانبها، تعزو السلطات الرسمية هذا الانهيار إلى الأضرار الجسيمة التي لحقت بـ:
1. محطات التوليد وشبكات نقل الكهرباء جراء المواجهات المسلحة.
2. شح الوقود اللازم لتشغيل المحطات الحرارية.
3. الاضطرابات اللوجستية والأمنية التي أثرت بشكل مباشر على قدرات التوليد المائي.
هذا المزيج أدى إلى تقليص الإنتاج إلى أدنى مستوياته التاريخية، وجعل قدرة الشبكة القومية على تلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان أمراً شبه مستحيل.
مشهد اقتصادي ينحدر نحو الحافة
آثار الأزمة لم تتوقف عند حدود الصحة والمنازل، بل وجّهت ضربة قاسية لما تبقى من القطاعات الإنتاجية:
القطاع الزراعي: أدى توقف مضخات الري إلى تلف مساحات واسعة من المحاصيل، مما يفاقم من مخاوف انعدام الأمن الغذائي الشامل.
القطاع الصناعي: تحملت المصانع تكاليف إضافية باهظة لتشغيل المولدات الخاصة، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية ورفع معدلات التضخم.
التعليم: يواجه الطلاب صعوبات بالغة في مواصلة الترقب والدراسة في ظل انعدام الإضاءة والتهوية بالمنازل والمدارس.
انسداد الآفاق
تختزل أزمة الكهرباء في السودان المأساة المركبة التي تعيشها البلاد؛ حيث تتشابك تداعيات الحرب العسكرية مع انهيار الخدمات الأساسية وتردي الوضع الاقتصادي.
ومع استمرار غياب التمويل والحلول السياسية والأمنية الجذرية، يخشى مراقبون من أن تؤدي هذه الضغوط المعيشية إلى موجات جديدة من الاحتقان الشعبي والإنساني تضع البلاد أمام سيناريوهات أكثر قسوة.



