الصراط المستقيم

أقسى المفارقات الإنسانية.. حين تتحول فضيلة الصبر والتحمل إلى عقوبة

بقلم التربوي / الشيخ محمد عرفة البهادي

من أقسى المفارقات الإنسانية أن يعاقبك الناس على صبرك، وأن تتحول قدرتك على الاحتمال إلى حجة يستندون إليها كلما أرادوا تحميلك مزيداً من الأعباء. فالذي اعتاد أن ينجو وحده، يظن الآخرون أنه لا يحتاج إلى يد تمتد إليه، والذي يبتلع أحزانه بصمت، يعتقدون أن قلبه أقل قابلية للانكسار، والذي ينهض بعد كل سقوط، يصبح سقوطه المقبل شأنا عادياً لا يستحق الالتفات. وهكذا تتحول الفضائل إلى أثقال، ويصبح التماسك سجناً، ويغدو الإنسان ضحية للصورة التي صنعها الآخرون عنه.

الحقيقة الإنسانية.. الضعف أصل التكوين وحق مفقود

وقد قال الله تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا}. تأملوا هذا الوصف الإلهي الجامع؛ لم يستثنِ الله أصحاب المناصب، ولا المشاهير، ولا الذين يحملون مسؤوليات الآخرين، ولا أولئك الذين تبدو وجوههم مطمئنة بينما تعصف بقلوبهم المخاوف.

فالضعف ليس عيباً يطرأ على الإنسان حين تنهكه الحياة، وإنما حقيقة أصيلة في تكوينه. لكن مجتمعاتنا كثيراً ما تتعامل مع الإنسان القوي كأنه فقد حقه في الضعف؛ فالأم التي أفنت عمرها في رعاية أبنائها يستغربون تعبها حين تكبر، والأب الذي حمل أعباء البيت عشرات السنين لا ينتبهون إلى انحناء ظهره إلا حين يعجز عن حمل المزيد.

خطيئة الاعتياد على العطاء وغياب الرحمة الحقيقية

أقسى ما قد نفعله بمن نحب أن نعتاد عطاءهم حتى ننسى أنه يكلفهم شيئاً؛ فنأخذ صبرهم باعتباره حقاً مكتسباً، ونسمي صمتهم رضا، ونتعامل مع تسامحهم كأنه إذن مفتوح لتكرار الأذى.

حتى إذا انهار أحدهم، سألناه بدهشة: ماذا حدث لك؟ والسؤال الصحيح: ماذا فعلنا به طوال السنوات حتى وصل إلى هذه اللحظة؟ وفي صحيح مسلم: “بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم”، ومن صور هذا الاحتقار الخفي أن نستهين بتعب إنسان لأنه لا يشكو، أو نستخف بحاجته لأنه لا يسأل.

دعوة للتراحم وسؤال عن حال الأقوياء والمساندين

الرحمة الحقيقية لا تنتظر أن ينهار الإنسان حتى تتحرك، ولا تشترط أن يشرح جراحه حتى تستحق الاهتمام. اسألوا الأقوياء عن أحوالهم، وواسوا الذين اعتادوا مواساة غيرهم، وامنحوا من يسندونكم فرصة أن يستندوا إليكم.

فليس أوجع من أن يقضي الإنسان عمره باباً مفتوحاً للجميع، ثم يكتشف حين تضيق به الدنيا أنه لا يملك باباً واحداً يطرقه، وما أشد فقر الحياة حين يصبح الإنسان مطلوباً من الجميع ولا يكون موضع سؤال من أحد، فبعض الناس لا تقتلهم المصائب، وإنما يُنهكهم أن الجميع يثق بقدرتهم على احتمالها، فلا يمد أحد يده إليهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى